مقالات

إنتخابات حرة ونزيهة أو ديكتاتور كـ”بول كاغامي”

د. عبد الكريم الهاشمي:

 

1
يعتبر بول كاغامي زعيم نهضة رواندا وهو الذي قادها خلال عقدين او يزيد قليل إلى مصاف الدول المتقدمة في القارة الافريقية على الصعيدين الاقتصادي والتنموي، عمل بول كاغامي على تحقيق تطلعات شعبه في التنمية والإزدهار، فوفر لشعبه رعاية صحية شاملة وتعليما مجانيا وحول بلاده من دولة غرقت في أبشع حرب إبادة إلى أيقونة صارت نموذجا يحتذى به. تتصدر رواندا الدول الأفريقية في استقطاب رجال الأعمال.

وتحتل موقع الريادة أفريقيا في مجال الثورة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إذ توفر الدولة الإنترنت مجاناً داخل ناقلات المواصلات العامة وسيارات الأجرة وفي مؤسسات القطاع الصحي وداخل المباني التجارية والخدمية، فضلا عن توظيفها في المجال الاقتصادي. عمل بول كاغامي على ترسيخ ثقافة ريادة الأعمال وتشجع الأفكار المبتكرة والمشاريع الناشئة، وعزز مكانة المرأة.

في ظل حكم بول كاغامي تجاوز معدل النمو الاقتصادي في رواندا 8% وتقلص الوقت اللازم لإنشاء نشاط تجاري فيها من 43 يوماً إلى 4 أيام فقط. أعاد كاغامي بناء البنية التحتية وتحديثها وذلك لدعم نمو القطاع الخاص. استطاع كاغامي ان يعبر ببلاده من الصراعات، ورماد الحروب، الى التقدم والتنمية والازدهار، حتى صارت نموذجا يدرس.

هذه الصورة الزاهية لبول كاغامي لا تنفي حقيقة أنه زعيم حرب ودكتاتور مكث في الحكم أكثر من 22 عام، ويخطط للبقاء 20 سنة أخرى، ويسعى حثيثا لترشيح نفسه للرئاسة لولاية رابعة في الانتخابات المقبلة في العام 2024 ولتحقيق ذلك قام بتعديل الدستور في العام 2015 بحيث يسمح له بالبقاء حتى عام 2034. أجرى كيغامي ثلاث إنتخابات وفاء لإلتزامه بتطبيق الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة حيث فاز فيها جميعا وحصل على نسبة 99٪ من الأصوات.

يواجه كاغامي تهما بارتكاب جرائم حرب خلال الحرب الأهلية، فلم يجد غير البقاء في السلطة وإستدامة حكمه ضمانة لحماية نفسه من الملاحقات القضائية والانتقام مم اعدائه.

هذا هو بول كاغامي الذي صار نموذجا للحكم الرشيد والحوكمة والشفافية، والذي يستشهد به العديد من الناشطين في منظمات المجتمع المدني والسياسيين، بل جعلوا من رواندا أنموذجا في النهضة والتنمية، وفي الديمقراطية والعدالة الإجتماعية بالرغم من أنها تحكم بنظام استبدادي دكتاتوري يتزعمه قائد حرب يحكم البلاد بالحديد والنار ويمارس ذات التسلط الذي يمارسه الحكام في الأنظمة الشمولية وهو بذلك يعد دكتاتورا كامل الدسم.

نجح كاغامي في إحداث التنمية والرفاه الذي صار أهزوجة يبشر بها كثير من الناشطين في المجتمع المدني والسياسة. رواندا التي يقدمها الإعلام ومنظمات المجتمع المدني كنموذج في العدالة والشفافية والحكم الرشيد، من الخطورة بمكان أن تعارض فيها الحكومة، دع عنك أن تكون معارضا سياسيا، وبالرغم من ذلك إستطاعت ان توفر لشعبها كل الخدمات بالمجان.

تتمتع بعلاقات خارجية قائمة على المصالح والإحترام في ظل هذا الحكم الدكتاتوري العضود، بل استطاع هذا الدكتاتور أن يتولى رئاسة الإتحاد الافريقي كأهم منظمة إقليمية تتمتع بإحترام الدول الافريقية وتخضع لقراراتها.

إن الدكتاتورية التي تسلبك جزء من حريتك في التعبير، او تقيد الممارسة السياسية، بينما توفر لك العيش الكريم دون تسول، والتعليم دون معاناة، والصحة دون تكلف، افضل الف مرة من الحرية التي تفقد المجتمع أمنه وسلامته وطمأنينته، وتفقره وتعطل عجلة إنتاجه.

2
ظل السودان لفترة تقارب الاربعة اعوام يتدحرج الى المجهول، وذلك بعد تسنم تحالف قوى الحرية والتغيير السلطة في البلاد في إطار شراكة متشاكسة مع المؤسسة العسكرية تحكمها وثيقة دستورية، وإعلان توافق سياسي بين المكونين المدني والعسكري، إلا أن التوافق لم يصمد فإنهار جراء هذا التشاكس والتنافر والتضاد بين المكونين، بل إن المدنبين الذين مثلوا احد طرفي الشراكة تناكروها مثل الزنيم سيما بعد قرارات الخامس والعشرون من اكتوبر 2021م. دالت السلطة للمدنيين عبر تلك الشراكة لثلاث اعوام، بيد أن حصادها كان الفشل الذي ظل يعترف به كبار المسؤولين في الدولة، فرئيس الوزراء المدني قال “لم نفشل لكننا لم ننجح” وهذا هو الفشل بعينه، ونائب رئيس مجلس السيادة أقر صراحة بالفشل وصدح بذلك “فشلنا” وكثير من رؤساء الأحزاب والناشطين اقروا بفشل تلك الفترة التي صارت وصمة عار يتوارى منها الشركاء ويبصقون عليها بل صار عنوانها الابرز هو الفشل وغياب الرؤية والهدف.

تناكر الشركاء الذين حكموا ودالت لهم السلطة في هذه الحقبة السوداء من تاريخ السودان الفشل الذي لازم تلك الفترة، وحاولوا التنصل منها بالرغم من انهم صالوا وجالوا، وحكموا واداروا، وسجنوا وفصلوا، وصادروا وإغتصبوا، وعينوا ومكنوا، ومارسوا كامل السلطات تحت حماية كاملة من الشريك العسكري. عطلوا القوانين، واباحوا المحظورات، واشاعوا المحرمات وبشروا بالمنكرات، جعلوا من السودان مرتعا للعملاء والمخبرين، بل صاروا هم كذلك، تباهوا بالعمالة والإرتزاق وطرق ابواب السفارات صباح مساء دون حياء ولا حشمة، جعلوا الوطن حقل لتجريب النماذج التي تتبناها منظمات المجتمع المدني لهدم الاسرة، وممارسة الحرية المطلقة في السلوك والاعتقاد التي تجبر المواطنين للتعايش والتطبيع مع المخدرات، والمنكرات، والمثليين، والسافرات ناكرات فضل الابوة والاسرة . عادوا الدين واستهدفوا مؤسساته، وتربصوا بدعاته واستهزؤوا بتعاليمه.

إستعانوا بالاجنبي بل استقطبوا بعثة لتأديب السودانيين حال رفضهم برامجهم الهدامة وسياساتهم الخرقاء. مارسوا دكتاتورية مفرطة في فرض الآيدلوجيات الآحادية، واستماتوا في طمس هوية المجتمع وقيمه، وصلت دكتاتوريتهم لمحاولة فرض دستور لحكم ابشعب قسرا عبر الوصايا دون رضاه في محاولة يترفع منها الغباء ويتسامى منها الخبل.
شوهوا الاقتصاد، عمقوا العزلة الدولية الخانقة، حطموا البنية التحتية. تردت في ظل حكمهم الخدمة المدنية، فانحسرت مساحات الإحترام فيها وانتفت التراتبية التي تحكم العلاقة بين العاملين فتساوت فيها الكتوف. تهاوى التعليم، وإنهارت الصحة، وتهتك النسيج الاجتماعي بسبب الفشل والعجز البائن في إدارة الدولة. افسدوا الشباب حتى صاروا مسخا شائها يهدد مصير أمة عرفت بمكارم الاخلاق، وارتبطت بها قيم المجد والكياسة والفطن. فرضوا على الشباب دوامة المواجهة مع المؤسسة العسكرية، في معركة بلا قضية ولا هدف، يقودونهم لحتفهم كل صباح لتحقيق اهداف رخيصة تتغلق بالمناصب والمكاسب.

أوهموا الشباب بإمكانية تأسيس دولة مدنية عبر فوضى المواكب والمسيرات، وقطع الطرقات وسد الممرات، وتدمير المؤسسات الخاصة والعامة.
أوحوا إليهم أنهم جيلا ملهما تبدأ منه وتنتهي إليه الأفكار الثاقبة، فضاقت بذلك في نفوسهم مساحة إحترام الرأي الآخر، فجعلوا ثقتهم المطلقة في المصادر التلقينية التي عبثت بهم، مستغلة فقرهم الثقافي، ووهن إدراكهم بتاريخ الحركة السياسية والإجتماعية والثقافية في السودان، فصارت السمة الابرز فيهم هي العناد والتعنت والتهور والإندفاع، مما سهل على بعض الجهات الإنتهازية من إستغلالهم في خلق بلبلة وعدم إستقرار. ينبغي على الشباب إدراك أن الحياة من أجل تحقيق الغايات السامية لا تقل شرفا وشموخا عن الاستشهاد في سبيل تحقيقها، فلابد للشباب من يقظة تحميهم من إستخدامهم كأدوات لفرض دكتاتورية مدنية يصعب تحقيقها بل ستكون سببا لإستمرار نزيف الدم وزهق الأرواح. كم خسر السودان من هذا الإسلوب الرخيص والأرعن الذي أشاح الشباب عن شعارهم السامي “حنبنيهو” الذي أعقب سقوط الحكومة السابقة، حيث تفاءل وقتئذ الشعب السوداني بوطن عاتي حدادي مدادي وليس وطن يكتظ حتى عنقه بالنفايات العضوية، والبشرية، وزاغت فيه الابصار، وبلغت فيه القلوب الحناجر.

3
إن الشراكة التي حكمت السودان لفترة ثلاث اعوام أو يزيد، كانت أسوأ من عام الرمادة حيث افقرت الأغنياء من الشعب، وزادت الفقراء فقرا، بل احالتهم إلى متسولين، بل صار التسول مظهرا معتادا وليس عيبا يمارسه حتى الشباب الأزهر النضير.
عجزت الأسر في توفير الحد الأدنى من المصروفات (مواصلات – سندوتشات طعمية) لمنسوبيها من الطلاب، فتركوا قاعات الدرس مجبرين.
أشاعوا خطاب الكراهية والتخوين والإنتقام وعدم الاعتراف بالآخر وسوقوا لذلك مما أدى لانسداد أفق الحوار بين الجميع وجعل مسيرة الانتقال الديمقراطي مليئة بالعقبات والتحديات. غاب في فترة حكومة الشراكة الأمن تماما وإرتحلت الطمأنينة وإنتشرت الجريمة المنظمة والعابرة كجرائم القتل والسرقات والاغتصاب والنهب والسلب وقطع الطرق وإنتشار الجرائم السياسية مثل الإعتداء على الدستور أو محاولة فرضه، وجرائم التحريض والمظاهرات ضد الدولة ومؤسساتها الأمنية والتخابر ضدها والسغي لتفكيكها وجرائم العمالة والإرتزاق والتجسس، وجرائم النشر الضار والكاذب. خانوا الشهداء وباعوا دماءهم بمناصب ومكاسب خسيسة وبئيسة.

4
كل هذه الخيبات وهذا الفشل العريض يجعل الانتخابات الحرة والنزيهة مخرجا آمنا من هذه المتاهة التي دخل فيها الوطن بسبب إختلاف المدنيين والمدنيين، وتضاد المدنيين والعسكريين. وتضع حدا لمشكلات الراهن السياسي السوداني التي تتناسل يوما بعد يوم، ويتعقد فيها المشهد السياسي بصورة سافلة في الضبابية، ومتسارعة نحو التوغل في غياهب المجهول والضياع.
بالرغم من منطق وسلامة هذا مخرج الإنتخابات من الازمات التي تحدق بالوطن، إلا أن مدمني الفشل يرفضونها ويفرون منها فرار الغزال من الأسد، وذلك بحجج تفتقر للمنطق والموضوعية، كتعللهم بأن الإنتخابات ستأتي بالإسلاميين، فما هي المشكلة إن جاءت بالإسلاميين، الم يكن الشعب حرا في إختياره؟ ألا يجب أن تحترم خياراته دون وصايا او تبخيس؟ الم تكن هي الحرية والديمقراطية التي ناديتم بها ورفعتم شعارها؟ إن كل المبررات التي يعترضون بها على قيام الإنتخابات تندرج في التدابير التي تصاحب الإنتخابات وهذا امر مقدور عليه، ولكن المحك هو الإقتناع بمبدأ قيام الإنتخابات والتوافق على تحديد تاريخ حاسم لإجرائها، ومن ثم التوافق على وضع التدابير الكافية التي تجعل الإنتخابات امرا ممكننا في ظل الحرية والنزاهة المطلوبتين. لكن الفشلة يريدون ان يحكموا الشعب دون تفويض منه لفترات طويلة وعضوضة.

إن طريق بناء الدولة المدنية الديمقراطية، هو التبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الإقتراع، وليس فرض رؤى آحادية عبر الإحتجاج والفوضى او المدافع والبنادق.

5
إن اللعب على حبال الجهوية، والعنصرية هو لعب على حافة هاوية الخسران والضياع، وان الاعتماد على القبيلة او الإدارة الأهلية في إحداث توازن في الراهن السياسي مجازفة محفوفة بالفشل المحتوم، كذلك المراهنة على البندقية التي تهدد بها الحركات المسلحة مراهنة خاسرة وقد ذاقت علقمها فلولا السلام الذي جاءت به حكومة الشراكة لما تسنى لهم إطلاق مثل هذه التهديدات. أما مراهنة تحالف قوى الحرية والتغيير على الشارع لإسقاط الشريك الناكص الناكس عن عهده مراهنة قد تطول فترة إثمارها هذا إن قدر لها الإنبات.
فلن ينصلح حال الوطن مالم يتواضع الكل عسكر ومدنيين على الحد الأدنى من قضايا الإنتقال الديمقراطي والإبتعاد من سياسة تنافي البعض للبعض وإستعلاء فئة على فئة وإدعاء فئة الملكية المطلقة لإحداث التغيير.

6
في ظل هذا الواقع المحتشد باليأس والبؤس، ترتفع اصوات من الحكمة والرشد تدعو لتدارك إنزلاق الوضع إلى أتون التلاشي والعدم، هذا إن لم يكن قد انزلق فعلا في ظل إشتداد حمى الوطيس بين الساسة الذين يتقاتلون في حافة هاوية الغباء والعناد.

إن عدم التوافق على إجراء إنتخابات يجعل سيناريو بروز دكتاتور وطني كبول كاغامي، يخرج من عمق معاناة هذا الشعب، ومن غور الأزمات التي تمسك بتلابيب الوطن، لتولي السلطة وفرض هيبة الدولة وينهي بذلك عبث الساسة وتهاون المؤسسة العسكرية في حسم الفوضى التي تضرب البلاد من اقصاها إلى أقصاه ومن ادناه إلى أدناها، لنلحق بذلك الدول التي تقدمت في ظل الحكومات الشمولية مثل رواندا، فما عادت الحرية وحدها هي التي يحى من اجلها الإنسان، في ظل التردي الذي اصبح فيه الحصول على الخبز يعني كل شئ.

أرسل محمد حسن التعايشي عضو مجلس السيادة عقب قرارات 25 اكتوبر رسالة للفاشلين من المكونين المدني والعسكري ليتهم يستوعبوها حيث قال “لسنا الوحيدون ولسنا الأفضل على أية حال، فلنغادر ونترك هذه البلد وهذا الشعب النبيل إلى حال سبيله”.

Krimhashimi5@gmail.com
0912677147

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق