محمد بابكر يكتب:كيف أشعل تحالف أبوظبي الحرب الأهلية في إثيوبيا؟

في ظل ما تشهده منطقة القرن الإفريقي من حالة سيولة استراتيجية حيث تتشابك المصالح وتتداخل الصراعات اتخذت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قرارات سياسية وعسكرية أثارت جدلا واسعا. أبرز هذه القرارات بحسب تقارير استخباراتية ميدانية هو الدخول في اتفاق مع دولة الإمارات العربية المتحدة لإنشاء معسكرات على أراضيها وتحديدا في إقليم “بني شنقول-قمز” الحدودي بهدف تقديم الدعم اللوجستي لمليشيا الدعم السريع السودانية وفتح جبهة جديدة في شرق السودان.
إن هذا التوجه لم يفضِ فقط إلى مواجهة مباشرة على الحدود بل كان بمثابة الشرارة التي أعادت إشعال الصراع الداخلي في إثيوبيا مما يطرح تساؤلا جوهريا هل أصبحت إثيوبيا ضحية رهاناتها الإقليمية الخاسرة؟
في ذات التوقيت تفيد مصادر استخباراتية سودانية بأن الفترة الأخيرة شهدت تحركات عسكرية مكثفة في إقليم “بني شنقول-قمز” تمثلت في استقبال شحنات جوية إماراتية وتجميع قوات تابعة للدعم السريع. كان الهدف الاستراتيجي من هذا التحالف هو فتح جبهة شرقية لإرباك الجيش السوداني وتخفيف الضغط عن قوات الدعم السريع في جبهات أخرى
إلا أن هذا المخطط قوبل برد فعل عسكري حاسم من القوات المسلحة السودانية التي أعلنت عن رصد وتدمير هذه الإمدادات والمتحركات مما أحبط العملية في مهدها.
هذا التصعيد يمثل فشلا تكتيكيا للمشروع الذي اعتمد على استخدام الأراضي الإثيوبية كمنصة عملياتية وكشف في الوقت ذاته عن عمق الصراع بالوكالة الذي تديره أطراف إقليمية متعددة.
وفي هذا السياق برزت تصريحات شديدة اللهجة من قيادات عسكرية سودانية رفيعة على رأسها مساعد القائد العام للجيش السوداني الفريق أول ياسر العطا الذي أكد في مناسبات عدة أن “يد السودان طويلة وستطول كل دول الجوار التي تقدم الدعم لمليشيا الدعم السريع”. هذه التصريحات لم تكن مجرد تهديدات عابرة بل عكست استراتيجية ردع جديدة تتبناها القيادة العسكرية السودانية مفادها أن أي محاولة لاستخدام أراضي دول الجوار كمنطلق لتهديد الأمن القومي السوداني ستواجه بعواقب وخيمة ومباشرة.
وقد جاءت هذه الرسائل متزامنة مع إحباط التحركات العسكرية على الحدود الإثيوبية لتؤكد أن الخرطوم لن تتردد في توسيع نطاق عملياتها العسكرية خارج حدودها لحماية وسيادتها وهو ما يرفع منسوب التوتر الإقليمي ويضع دول الجوار أمام مسؤولياتها.
بشكل شبه متزامن مع فشل العمليات على الحدود بينما شهد الداخل الإثيوبي انتكاسة أمنية كبرى حيث أفادت تقارير موثوقة بتجدد القتال على نطاق واسع بين قوات دفاع تيغراي والجيش الفيدرالي مما أدى إلى إغلاق المجال الجوي والمطارات في الإقليم.
يفسَّر هذا التطور بأنه انهيار عملي لـ”اتفاق بريتوريا للسلام”.
العلاقة بين الحدثين تبدو جلية فالانشغال العسكري والسياسي للحكومة الفيدرالية في مغامرات خارجية خلق على ما يبدو ثغرة استراتيجية استغلتها قوات تيغراي لإعادة ترتيب صفوفها والرد على ما تعتبره “انتهاكات للاتفاق”.
وبهذا تكون إثيوبيا قد دفعت ثمن تحويل أولوياتها من تثبيت السلام الداخلي إلى الانخراط في صراعات إقليمية مما أثبت صحة المعادلة القائلة بأن “زراعة الفوضى في الخارج تحصد اضطرابا في الداخل”.
لقد باء مشروع فتح الجبهة الشرقية بالفشل لكن تداعياته لم تنتهِ عند الحدود بل ارتدت لتشعل صراعا داخليا مدمرا.
لم يكن إفشال المخطط على الحدود نتيجة عامل منفرد بل هو نتاج ما يمكن وصفه بـ”استراتيجية احتواء إقليمية منسقة”.
تشير التحليلات إلى أن محورا يضم دولا فاعلة (مثل السودان مصر السعودية وتركيا) قد عمل بشكل متضافر على قطع خطوط الإمداد اللوجستي. تم ذلك عبر آليات متعددة شملت إغلاق المجالات الجوية وتشديد الرقابة على المنافذ البرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
هذه الاستراتيجية قلّصت من فعالية سياسة “الجسور الجوية” والمغامرات العسكرية وأظهرت أن البيئة الجيوسياسية للمنطقة أكثر تعقيدا من أن تسمح بنجاح مثل هذه الرهانات.
تظهر الأحداث الأخيرة أن إثيوبيا تواجه تداعيات مباشرة لسياساتها الخارجية. فبدلا من تعزيز استقرارها أدى الانخراط في صراعات بالوكالة إلى فتح الباب أمام تجدد العنف الداخلي وتقويض اتفاقات السلام الهشة.
الاستنتاج الرئيسي هو أن محاولة تصدير الأزمات أو استخدام القوة العسكرية كأداة للسياسة الخارجية دون حساب دقيق للتداعيات الداخلية هو نهج محفوف بالمخاطر.
المستقبل المنظور قد يشهد استمرارا لهذه الحلقة المفرغة ما لم تتم مراجعة شاملة للسياسات الإثيوبية. إن استراتيجية قطع الإمداد التي يتبعها الخصوم الإقليميون تهدف إلى فرض معادلة جديدة على الأرض وقد تكون تداعياتها أعمق من مجرد خسائر عسكرية لتطال المشاريع التنموية الكبرى ووحدة الدولة الإثيوبية ذاتها.


