مقالات

يا الماشي لي باريس..

علي عسكوري

بقدر ما حاولت وضع تدخل باريس في الشأن السودانى ومحاولتها التاثير على الأحداث فشلت.
فمنذ واقعة فشودة بعد ان طرد الجنرال كتشنر القائد الفرنسي الجنرال “مارشاند” وهى واقعة خطيرة كادت أن تؤدي لحرب بين بريطانيا وفرنسا – رغم ان السودانيون لا يهتمون بها ربما من مفهوم “شهر ما عندهم فيه نفقة”- منذ حينها اصبح تاثير فرنسا على الاحداث السياسية في السودان محدودا واستمر ذلك طوال العقود التى اعقبت الاستقلال. رغم ذلك يجب الاقرار بأن لفرنسا والمانيا علاقة قوية بإقليم دارفور خلافا لبقية السودان، وهذا الكاتب لا يستبعد أن تعمل الدولتان على فصل الإقليم ان إدلهم ليهم في التنافس الدولى على الموارد، ذلك وحده ما يبرر لقاء الخارجية البريطانية مع المليشيا كما نناقش ادناه.

عادت فرنسا لتبني علاقتها مع السودان في عهد الانقاذ. فتعاون معها نظام الانقاذ وسلمها الارهابي كارلوس في صفقة مشهورة مقابل -حسب ما تواتر حينها- عشرة مليون دولار لاحد قادة الجبهة الاسلامية مع تزويد الجيش السودانى بصور اقمار صناعية لتحركات الجيش الشعبي وقتها.
ثم جاء تطور آخر بعد انتاج البترول واستفادت الانقاذ من علاقاتها القديمة مع المخابرات الفرنسية فاصبح بنك ( BNP PRIBAS) هو القابلة او الوسيط الذى مرر كل تعاملات البترول. ونتيجة لهذا التورط حكمت عليه محكمة امريكية بغرامة فاقت ال٩ بليون دولار حاول الرئيس الفرنسي جاك شيراك التوسط فيها مع الرئيس الامريكي الاسبق باراك اوباما لتخفيفها دون طائل.
ثم قدمت الانقاذ رشوة اخري لفرنسا واختارت الشركة الفرنسية (الستم) لتوريد وتركيب توربينات خزان الحمداب (مروي) بعقد ضخم قبض فيه عدد من المسؤولين نصيب وافر من العمولات.
يضاف لكل ذلك ان الشركات الفرنسية ظلت تنهب الذهب من شرق السودان منطقة ارياب منذ ثمانينات القرن الماضي بلا رقيب او حسيب وقد كنزت منه البلايين ومناطق الانتاج تموت في فقرها الطويل، ويبدوا ان هنالك سر خلف ارياب لم استطع ان اسبر غوره!
من أشهر خريجي الجامعات الفرنسية من السودانيين الراحلين الدكتور الترابي والدكتور منصور خالد، ورغم زمالتهما في باريس ظلا على النقيض تماما فى مواقفهما السياسية حتى التحقا بالرفيق الاعلى كما هو معلوم (وعند الله تجتمع الخصوم)!
هذه باختصار – ارجو الا يكون مخلا- علاقة فرنسا بالسودان وهى علاقة قائمة على المخابرات واللصوصية.
تواجه فرنسا اشكالات عويصة في مستعمراتها السابقة في غرب افريقيا ولذلك فهى دون شك تبحث مع (فردتها) المانيا عن مناطق جديدة للنفوذ.
ونذكر ان الرئيس الالمانى كان قد زار البلاد ايام فترة حمدوك وقدم وعودا كثيرة بالدعم لم يثمر منها شىء.
بالطبع لم يكن من باب الصدفة ان تلي تلك الزيارة اختيار حمدوك منفردا للالمانى فولكر بيرزس كرئيس لبعثة الامم المتحدة التى هي نفسها طلبها حمدوك دون استشارة اى جهة في الدولة بما فيها مجلس السيادة في تجاوز صارخ لصلاحياته كرئيس وزراء.
وفي كارثة اخري وفضيحة (منيلة بي نيلة) كان الاتحاد الاوروبي الذى تسيطر عليه فرنسا والمانيا يدفع مرتبات عدد من العاملين بمكتب رئيس الوزراء حمدوك حسب ما يرشح.
اذن تلهث فرنسا ومن خلفها يلهث الاتحاد الاوربي عن مدخل ونفوذ فى السودان وموارده.
بالطبع هذا المؤتمر الذى جاء تحت غطاء المعونات الانسانية لن يروق لقوى اخري تتلمظ بدورها وتبحث عن دور ونفوذ. لن يروق المؤتمر لبريطانيا و امريكا ولا روسيا ولا حتى الصين. وما تسريب خبر لقاء الخارجية البريطانية لمليشيا الدعم السريع الا محاولة لارسال رسالة لفرنسا ولجماعة تقدم ان (المطرة صابة في مكان آخر). لانه لا يوجد تبرير مقبول لتسريب هذا الخبر في نفس يوم المؤتمر الا لارسال رسالة واضحة للمجتمعين فى باريس.
فشلت جماعة تقدم نتيجة للسذاجة السياسية أن تحدد موقفها هل هي مع الاتحاد الاوروبي ام مع معسكر بريطانيا و امريكا فلم يعد امساك العصا من النصف ممكنا.
تاريخيا كان السودان مستعمرة بريطانية، وحسب واقع الصراع الدوفى لن تقبل بريطانيا كجزء من متافستها القديمة مع فرنسا (خاصة بعد خروجها من الاتحاد الاوروبي) ان تمد فرنسا او الاتحاد الاوروبي نفوذهم في مستعمرتها السابقة للاسف ذلك هو واقع الصراع الدولى الذي نكابده. الجيوبولتكس العالمى وحدة الصراع الدولى الحالى لا تسمح ان تترك بيريطانيا وامريكا لفرنسا بالتمدد في شرق افريقيا. نحاول هنا فقط ان نستقراء خطط الدول النافذة في عالم اليوم. وكما نعلم من التاريخ فإن بين هذه الدول تنافس محتدم منذ قرون و بينها تناقضات لا يمكن تجاوزها تحت لافتة العون الانساني، فما يقوله هولاء النافذون فيما بينهم ليس هو ما يقولونه لحمدوك وحواريه!
من ناحية أخرى، من يتابع الإعلام العالمي يستطيع ببساطة أن يلاحظ تجنب الإعلام الناطق بالانجليزية (بريطانيا وامريكا) عبد الله حمدوك. ومن الواضح ان حمدوك يتوقع منه ان يقفز، فإن لم يقفز سيتم دفعه، واضح ان الأمر اصبح مسألة وقت لا اكثر.
ثمة سؤال آخر يطرح نفسه: لماذا اجتمعت الخارجية البريطانية مع قيادات المليشيا – وسربت الخبر عن قصد- ولم تجتمع مع حمدوك او (حيرانه) في “تقدم”..! وكما نعلم لا توجد صدفة في السياسة الدولية..!
سينتهي مؤتمر باريس الى لاشىء، فقط سيكون هواة الاسفار من جماعة “تقدم” وحيران قائدها قد وجدوا الفرصة للتبضع من شارع الشانزليزيه… لا اكثر..! ربما توعد بعض الدول والمؤسسات بالمعونات المالية ولكن قطعا سيذهب جلها لمنظماتها التى تعمل في مجال الغوث ( تذاكر سفر، ترحيل، مرتبات، اعاشة؛ بيرديم ونثريات ادارية اخري) القليل جدا سيصل المحتاجين.

ختاما لا ادري لماذا ذكرني مؤتمر باريس بأغاني السيرة السودانية:
سيروا… سيروا.. سيروا الليله يوم جديدو..!

هذه الأرض لنا

بورتسودان
١٥ أبريل ٢٠٢٤

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق