حين يغيب العدل.. تعربد الفوضى .. نداء لتأسيس المحكمة الرياضية

د.عبد الكريم الهاشمي:
احتدمت في السنوات الأخيرة، النزاعات وتكاثرت الشكاوى بين الأندية والاتحاد العام لكرة القدم كقضية نادي حي العرب، كما شهدت الساحة صدامات مماثلة بين الاتحادات المحلية والاتحاد العام، كقضيتي اتحاد الخرطوم واتحاد الجنينة، فضلًا عن الخلاف الذي نشب بين الاتحادات الانتقالية والاتحاد العام مؤخرا. ولا يستقيم عقلا ولا يقبل منطقيًا ولا عدلاً أن يكون الاتحاد العام مصيبًا في جميع هذه الحالات ومحقا في كل هذه النزاعات، وخصومه هم على باطل دائم.
لقد كشفت هذه الوقائع عن فراغٍ تشريعي وعدلي خطير في بنية الرياضة السودانية، وأكدت أن تأسيس محكمة التحكيم الرياضية لم يعد ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة وطنية ملحّة لفضّ النزاعات بين الرياضيين والاتحادات والأندية، فوجود جهة عدلية متخصصة، سريعة البتّ وعالية الكفاءة، كفيل بإرساء بيئة قانونية نزيهة تحترم خصوصية الوسط الرياضي وتضمن العدالة فيه.
تبرز أهمية محكمة التحكيم الرياضية الوطنية كضرورة مؤسسية تواكب تطور المنظومة الرياضية وتضمن حمايتها من الانزلاق في نزاعات طويلة ومعقدة، فإن بناء محكمة وطنية يعد خطوة استراتيجية لتعزيز السيادة الرياضية وتحقيق العدالة داخل حدود الدولة وليس خارجه أمام محكمة التحكيم الرياضي الدولية (CAS).
بزغت فكرة محكمة التحكيم الرياضية الوطنية في السودان كحلمٌ ولد على أيدي اللجنة الأولمبية، حيث استبشرت الأوساط الرياضية بها وعدّتها خطوة في طريق الارتقاء المؤسسي والعدالة المتخصصة، حيث اعتمدت الجمعية العمومية للجنة الأولمبية السودانية في العام 2020م تأسيس المحكمة بموجب النظام الأساسي للجنة، واستنادًا إلى قانون الشباب والرياضة، الذي يتيح إنشاء هيئة استئنافية عليا لفض المنازعات الرياضية داخل الوطن وليس خارجه إلا إذا إقتضى الأمر التقاضي الخارجي. بدأت المحكمة فعليًا في تلقي القضايا منذ مارس من العام 2021م «كمحكمة محائدة ومستقلة مالياً وإدارياً كأعلى سلطة استئنافية في البلاد، غير أن هذا الحلم الوطني لم يكتمل. ففي أكتوبر من ذات العام 2021، أصدرت اللجنة الأولمبية قرارًا بتجميد المحكمة وتعليق أعمالها حيث صاحب قرار التجميد جدل كثيف بل اعتبره البعض قرارا باطلا.
لقد كان تأسيس المحكمة السودانية خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تقوية السيادة الرياضية وتخفيف الأعباء المالية على الرياضيين، الذين يضطرون للجوء إلى محكمة التحكيم الرياضية الدولية (CAS) في سويسرا، حيث تتجاوز تكاليف التقاضي عشرات الآلاف من الدولارات، مما يجعل التقاضي الدولي حكرًا على القادرين وهذا امر غاية في الظلم والتفريط من مؤسسات الدولة المنوط بها حماية الحقوق والمكتسبات.
كان الأمل أن تنهض المحكمة الوطنية بدورٍ رياديٍّ يشكّل منصةً للعدل قريبة المنال، ميسورة الكلفة، سريعة البتّ، تحفظ للرياضة نزاهتها، وتعيد للمتظلمين حقوقهم. غير أن حلّها لم يكن مجرد إلغاءٍ لكيانٍ قانوني، بل جاء كإجهاضٍ لمبدأ العدالة الرياضية الوطنية، وهدراً لفرصةٍ ثمينةٍ كان يمكن أن تؤسس لتجربةٍ مؤسسيةٍ سودانيةٍ رائدة تُحتذى في الإقليم. ولنا في التجارب الإقليمية شواهد حيّة، ففي مصر تعمل المحكمة الرياضية التابعة للجنة الأولمبية المصرية، وفي قطر يقوم “مركز قطر للتحكيم الرياضي” تحت مظلة اللجنة الأولمبية، أما في المغرب وتونس فالمحاكم الرياضية قائمة بإشراف اللجان الأولمبية وبموافقة وزارات الرياضة المختصة.
بعد مرور أكثر من ثلاث اعوام على قرار التجميد الصادر في حق المحكمة، يظل السؤال المُلِحّ بلا إجابة من هو المستفيد من تجميد وتعطيل المحكمة؟
أفرز غياب هذه المحكمة فراغًا استغلّه بعض المسؤولين في الاتحاد العام لكرة القدم، فتمادوا في تجاوزاتهم دون رادع أو وازع، وكأنما رفع عنهم الخطأ والمسؤولية المترتبة عن تجاوزاتهم، يعبثون باللوائح كما يشاؤون، ويوزعون القرارات كما توزع الغنائم، لا يخافون رادعًا ولا يهابون مساءلة. ولسان حالهم يقول: “خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقّري.” حتى حسبوا أنفسهم فوق المساءلة، فغدت الرياضة بذلك رهينة الأهواء لا القوانين ومسرحا للترضيات الشللية والمناطقية.
من الأهمية بمكان أن تعيد اللجنة الأولمبية نشاط المحكمة، وتستمع إلى صوت الرياضيين والقانونيين، لا إلى همس الغرف المغلقة ومناورات أصحاب المصالح والانتهازيين. فليس من العدالة أن تُجمَّد العدالة نفسها، ولا أن تُدار شؤون الرياضة بمزاج الأفراد وترضيات اصحاب المصالح وتقلبات المكاتب، بل بالثقة والاستقلال والاحترام المتبادل بين المؤسسات.
نداء لوزير الشباب والرياضة أن يضطلع بمسؤولياته الوطنية على الوجه الأكمل، فيبادر مع المؤسسات الأخرى إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة لفضّ النزاعات الرياضية، تكون حصناً للعدالة ومنارة للانضباط، تضع حدًّا للفوضى التي مارسها بعض الإداريين ممن توهّموا أن قوانين الرياضة ترفعهم فوق سلطة الدولة وتحميهم من رقابة القانون. فقد اتخذ نفرٌ منهم من تلك القوانين درعًا للاحتماء من المساءلة، متسترين خلف شعارات الاستقلالية، حتى غدت المؤسسات الرياضية في نظرهم جزرًا معزولة لا تطالها يد العدالة، وكأنهم يتمتعون بحصانات دبلوماسية أممية لا تمسّ.
ومن المفارقات اللافتة، أن النظام الأساسي للاتحاد السوداني لكرة القدم لسنة 2025م، نصّ في المادة (75) على حظر اللجوء إلى أي جهة خارجية قبل استنفاد سبل التقاضي الداخلية، ثم بعد ذلك يمكن رفع النزاع إلى محكمة التحكيم الرياضية الدولية (CAS). والسؤال المشروع هنا، ما هي الجهود التي بذلها الاتحاد لتوفير آليات وطنية فعّالة للفصل في النزاعات الرياضية، حتى لا يضطر الأعضاء إلى طرق أبواب الهيئات الدولية؟ أليس من الأجدر أن يكون للرياضة في السودان مؤسسات عدلية وطنية راسخة، تصون الحقوق وتُعيد الهيبة للقانون؟
إن ما يجري في الساحة الرياضية اليوم لا يحتمل مزيدًا من الصمت أو المجاملات، فالقضية لم تعد شأنًا إداريًا عابرًا، بل امتحانًا حقيقيًا لهيبة الدولة وعدالة مؤسساتها.
الجدير بالذكر أن محكمة التحكيم الدولية أنشأتها اللجنة الأولمبية الدولية عام 1984م لتكون مرجعًا قضائيًا مستقلًا للفصل في النزاعات الرياضية بمختلف أشكالها، غير أن التطور الأهم جاء في عام 1994م، حين أُنشئ المجلس الدولي للتحكيم في المجال الرياضي (ICAS) ليكون هو الجهة المشرفة على المحكمة،
إنّ مسؤولية إنقاذ الرياضة السودانية اليوم لا تقع على عاتق جهةٍ واحدة، بل هي واجب جماعيّ على كل من ينتمي لهذا الوسط، من لاعبين وإداريين ومدرّبين وإعلاميين ومحبّين. إنّها ساعة الوعي والوقوف صفّاً واحداً لإعادة الاعتبار للعدالة الرياضية، وإحياء محكمة التحكيم الوطنية التي تمثّل صمّام الأمان للنزاهة والانضباط.
فليتوحد الرياضيون جميعاً، ولتعلُ أصواتهم بالمطالبة الجادّة والضغط المشروع على مؤسسات الدولة واللجنة الأولمبية ووزارة الشباب والرياضة، حتى تُبعث المحكمة من جديد، وتعود سلطة القانون لتكون الحكم بين الجميع، لا الأهواء ولا المصالح.
لقد آن الأوان أن ينهض الوسط الرياضي دفاعاً عن قيمه ومبادئه، وأن يضع حداً لعربدة الإداريين الذين جعلوا من الاتحاد العام ساحةً للفوضى، ومؤسسةً تحكمها النزعة الفردية والمزاج الشخصي.
إنّ وحدة الرياضيين اليوم هي السبيل الوحيد لاستعادة العدل، ولردّ الاعتبار للرياضة السودانية التي تستحق أن تُدار بالعقل والنظام لا بالهوى والتسلّط.
وليتذكّر الجميع أن الرياضة بلا عدالة، جسدٌ بلا روح، وأنّ نهضتها تبدأ حين يُقام ميزان الحق، وتُرفع راية القانون، ويُعلَن من جديد: حين يغيب العدل.. تعربد الفوضى.
Krimhashimi5@gmail.co
0912677147

