مقالات

المناصير.. عهد جديد أم مفترق طرق؟

بقلم/ أحمد الخبير:

بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الدكتور علي مصطفى عشا في بحث منشور عن جدل العصبية القبلية والقيم (واتصلت العصبية القبلية بالقلق علي المصير الجماعي للقبيلة من أن تنال منها القوى التي تتربص بها خارجيا .. أو أن تتفتت من داخلها نتيجة عوامل الفرقة .. وتشتت الهوى .. واختلال الآصرة القبلية ..
ويستدل على الخوف من الخطر الداخلي بقول الشاعر قيس بن الخطيم :-
تقول ابنة العمري آخر ليلها
علام منعت النوم ليلك ساهر
فقلت لها قومي أخاف عليهم
تباغيهم لا يبهكم ما أحاذر
فلا أعرفنكم بعد عز وثروة
يقال ألا تلك النبيت عساكر
فلا تجعلوا حرباتكم في نحوركم
كما شد ألواح الرتاج المسامر
سردية تاريخية قريبة :
بدأ حراك النظارة في ديار المناصير في محلية البحيرة حينما خرجت إلى الرأي العام بيانات تتناول مواضيع مختلفة باسم الناظر خليفة الشيخ معلنا عن نفسه ناظرا للرباطاب والمناصير .. حيث تفاجأ المناصير أن تبعية عموديتهم قد تحولت من نظارة ود البيه في بربر التي كانت تشملهم مع الميرفاب والرباطاب لتصبح مع الرباطاب .. ورغم تاريخ الكفاح المشترك الطويل مع الرباطاب .. إلا أن ما حدث لم يكن في الحسبان .. حيث ابتدت ثورة صامتة في البداية وسرعان ما سرت سريان النار في الهشيم وشملت حتى المناصير الذين تم تهجيرهم خارج البحيرة بحيرة سد مروي التي أغرقت ديار المناصير في العام 2007م، وعلت الأصوات المطالبة بفصل النظارة عن الرباطاب حتى اصبحت تيارا جارفا وحراكا جماهيريا عظيما عقد مؤتمره العام بقري الفداء للمهجرين وتم تكوين مجلس شورى الحراك مع ترك مقعد الناظر شاغرا لإتاحة الفرصة للقيادة التاريخية لقيادة الركب ، وتحت تزايد الضغوط رضخ أو استجاب السيد محمد عثمان نعمان العمدة التاريخي لتلك المطالبات الجماهيرية وتم تنصيبه في مؤتمر جامع بحاضرة البحيرة كبنة.
ولكن الخلافات تفجرت عقب ذلك أعلن تيار الحراك أن الناظر التاريخي الذي تم تنصيبه بمجهودات الحراك يسعى لفرض رؤيته الخاصة باستبعاد البعض وتقريب الآخر . وبعدها بفترة وجيزة أعلنت أكبر فروع القبيلة وأشهرها وهي الوهباب والحمامير والسليمانية والدقيساب وبعض الفروع الأخرى عن تكوين نظارة عموديات المناصير المستقلة بقيادة الناظر خليل حربي ووكيله محمد عثمان الحسن عون الله.
توحدت الفروع الأخيرة خلف النظارة الجديدة التي يبدو وكأنها ولدت بأسنانها، فما ان أعلنت قيادتها عن تسيير قافلة دعم ومؤازرة لأهل الفاشر النازحين في الدبة حتى انهالت التبرعات وفي ظرف يومين فقط تم تسيير قافلة ضخمة إلى الدبة باسم النظارة الجديدة وجهدها.

تحليل وتفسير..
نحاول هنا أن نفسر ونحلل ماهي الأسباب التي دفعت بقبيلة في شمال السودان -حيث تناسى الناس منذ عهد بعيد الانتماءات القبيلية- ما الذي دفع بالمناصير الي الاحتماء واللجوء إلى عصبية القبيلة؟ ولماذا تخلت القبيلة وانفضت عن قيادتها التاريخية؟
ولماذا تخلت القبيلة عن نخبتها المثقفة التي تولت قيادة المنطقة في فترة الصراع المدني السلمي الطويلة إبان قيام سد مروي وإغراق المنطقة؟ .
الملاحظ أن اغلب جماهير الحراك هم الشباب صغار السن الذين عايشوا فترة الإغراق في طفولتهم الباكرة أو ولدوا ونشأوا بعد الإغراق، وتعمل الغالبية العظمى منهم بمناطق التعدين الأهلي في مختلف أنحاء السودان وشاهدوا وتعرضوا لسطوة وظلم تلك القبائل التي يعملون في أراضيها وتفرض عليهم الأتاوات الباهظة لينتج عن ذلك تساؤلهم أين قبيلتهم وأين قيادة القبيلة مما يحدث لهم في أراضي الغير وما هو موقف القبيلة وقيادتها من الأنشطة التعدينية في حواكيرها؟
كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في حوارات النظارة هي إشارة الناظر محمد عثمان فنان أنه غير مسؤول عن أي مجموعات سكانية أو موارد خارج محلية البحيرة المعقل التاريخي للمناصير، ومعلوم أن هناك تعارض لحدود القبيلة مع الحدود الإدارية لمحلية البحيرة.
الكثيرون من مثقفي القبيلة ينظرون إلى النظارة وقضاياها باعتبارها ردة ورجوع إلى الماضي البائد، وفي ذلك -حسب رأيي- نفور عن تحسس نبض الجماهير التي تبنت راية النظارة ليس ردة وارتدادا إلى الماضي وإنما محاولة وحركة تصحيحية في مسار حركة الحقوق والمطالبات بعدالة الحلول لقضايا التهجير وإعادة التوطين لمواطني البحيرة ومن تم تهجيرهم خارج المنطقة ومن يعيشون في المناطق المجاورة تدفعهم حمية قبلية وعصبية مستولدة من مرارات متراكمة
يرفعون راياتهم وهم يهتفون :
وهل أنا إلا من غزية
إن غوت غويت
وإن ترشد غزية أرشد
ويبقى السؤال الأهم: ما هي مآلات المستقبل،، كيف ستمضي القبيلة وقد أصبح لها ناظران وقيادتان،، هل سنشهد اتحاد القبيلة مرة أخرى،، أم ستمزق المنطقة ثوب القبيلة وتتخلى عن عصبيتها القبلية؟ كيف سيكون تأثير الحراك القبلي على حركة الحقوق المدنية في هذه المنطقة بقضاياها الشائكة ومراراتها المتراكمة؟.
على كل أرجو أن يظل أهلي المناصير كالعهد بهم دائما أهل حكمة وسداد رأي مثلما قال سويد بن أبي كاهل اليشكري :
لا يخاف الغدر من جاورهم
ابدا منهم ولا يخشى الطبع
ومساميح بما ضن به
حاسرو الأنفس عن سوء الطمع
حسنو الأوجه بيض سادة
ومراجيح إذا جد الفزع
وزن الأحلام إن هم وازنوا
صادقو البأس إذا البأس سطع.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى