الإدارة النظيفة واللعب النظيف.. من يفسد من؟

د.عبدالكريم الهاشمي:
يشير مفهوم اللعب النظيف إلى مجموعة من الضوابط والقوانين والمبادئ الأخلاقية والرياضية التي تشمل النزاهة، العدالة، احترام، والمساواة، وتكافؤ الفرص، ومكافحة الفساد لضمان استدامة لُعبة كرة القدم.
لا يُختزل مفهوم اللعب النظيف في كرة القدم على ما يجري داخل المستطيل الأخضر، بل يبدأ من خارج الملعب، من الإدارةٍ العادلة، والقرار الرشيد، والضمير الهنيٍّ الذي يحكم مسار اللعبة. فحين تستقيم الإدارة، يترسّخ التنافس الشريف، وحين تختل، تفقد الملاعب أخلاقها ولو ازدانت بالشعارات.إن الإدارة الرشيدة ليست ترفًا تنظيميًا، بل أصل اللعبة وروحها ومصدر عدالتها. فالنزاهة التي تغيب عن مؤسسة رياضية يُفترض أن تسعى لإشاعة مفهوم اللعب النظيف، كالاتحاد العام السوداني لكرة القدم، يستحيل أن يُترجم هذا المفهوم في الملاعب. شهدت اروقة الاتحاد العام في الآونة الأخيرة، ارتباك في اتخاذ القرارات، وسوء في إدارة للموارد، وتلاعب في الإجراءات، ومظاهر هيمنة غير عادلة أفرزت بيئة مواتية للظلم والإقصاء ولدت كثير من الإخفاقاتٍ، وأظهرت كثير من ملفات الفساد التي باتت في صدارة النقاش في المنابر والصحف والمنصات الاعلامية المختلفة، بعد أن تراكمت الشبهات وتعدّدت المؤشرات، مما أضعف ثقة الجمهور الرياضي ووسّع الفجوة بين الجماهير واتحاد الكرة (اتحاد المغتربين)، الأمر الذي أصاب المؤسسية في مقتل، ووجّه ضربةً مباشرة لمبدأ اللعب النظيف في جوهره الإداري قبل الفني. فمن رحم الإدارة الرشيدة تُولد الرياضة المحترمة، والعادلة، والنزيهة، والمتماسكة. ومن أحشاء الإدارة الفاسدة لا يخرج إلا العبث والفوضى، والتشويه والتشكيك، وانحطاط القيم والاخلاق.
ما تعيشه كرة القدم في بلادنا ليس أزمة نتائج، بل أزمة إدارة. إدارة مرتبكة، قراراتها متناقضة، وهياكلها تُعاد صياغتها على مقاس المصالح لا على أسس المؤسسية، مما وسّع الفجوة بين الجماهير والاتحاد، وضرب ثقة الاتحاد في الصميم، فأي اتحاد يفقد ثقة جماهيره، يفقد تلقائيًا شرعيته الأخلاقية قبل القانونية.
ولعل قرار تحويل الاتحادات الانتقالية إلى مناطق فرعية كان من أحدث الأمثلة على هذا التخبّط الذي يعبث بالبنية التنظيمية لمنظومة الرياضة في البلاد حيث جاء القرار دون رؤية أو مسوّغ منطقي، في خطوة أربكت المشهد وزادت منسوب الهشاشة فيه، وطرحت أسئلة موجعة عن غياب الشفافية، وعن مؤسسة تُدار بردّ الفعل لا بالفعل، وبالهوى لا بالقانون.
إن الرياضة انعكاس مباشر لطبيعة إدارتها فإذا سادت النزاهة في المكاتب، ساد اللعب النظيف في الميادين.
وإذا تعززت قيم العدالة والمحاسبة، وسادت مفاهيم الادارة الرشيدة والعدالة وانتعشت الشفافية المالية، انحسرت بالمقابل ظاهرة استقلال النفوذ وشراء الذمم والمجاملة والترضيات واختفت الهيمنة المصطنعة التي تُضعف الاتحادات والأندية وتشوّه المنافسات وهذا للأسف ما استشرى في اروقة الاتحاد العام. الإدارة النظيفة ليست رفاهية، بل شرط بقاء، وهي ليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل هي بنية فكرية وسلوك مؤسسي ومنظومة صارمة تحارب الفساد المالي، والإداري، وفساد إستغلال النفوذ وتحقيق المصالح والمجاملات. فالفساد حين يستقر في قمة الهرم، لا يسرق المال فقط، بل يقتل الضمير الرياضي، ويُسقط العدالة من جذورها، وإذا غابت مبادئ النزاهة عن القمة، تهاوى العدل في القاعدة، وتوالدت مظاهر الانفلات، فيغدو الفساد الإداري وتدهور القيم الرياضية حلقاتٍ في سلسلةٍ واحدة، رأسها سوء التدبير، ومآلها خراب الملاعب وتشويه الرسالة. إصلاح كرة القدم لا يكون إلا من أعلى السلم، فالخلل يبدأ من الرأس قبل أن يسري في الجسد. ولا سبيل لاستعادة الهيبة المهدورة إلا بترسيخ الحوكمة الرشيدة، وإشاعة الشفافية المالية، ونشر التقارير للرأي العام، ووضع آليات صارمة لمكافحة الفساد، ومحاسبة المتورطين دون اعتبار لمواقعهم، واحترام المؤسسية، وصون الهياكل التنظيمية من العبث والتلاعب وتأسيس محاكم التحكيم الرياضية لردع الفساد والفاسدين. كرة القدم لا يمكن أن تزدهر في ظل إدارة ملوّثة، ولا يمكن للعب النظيف أن يسود في بيئة تُشجّع على الالتفاف والتحايل، وتُكرّس لاستغلال النفوذ والفوضى مثلما يحدث في الاتحاد العام، فالرياضة التي تفقد أخلاقها تفقد روحها، والاتحاد الذي تهتز نزاهته تسقط شرعيته. إننا إزاء لحظة فاصلة في مسار العمل الرياضي، لحظة تستدعي شجاعة المواجهة لا مواربة الصمت، فإمّا أن نؤسس لمرحلة جديدة قوامها إدارة نظيفة تعيد الاعتبار لكرة القدم، وإمّا أن نظل أسرى لحلقة الفوضى والعبث الاداري والتثيب وألا مبالاة وعدم احترام جماهير الحركة الرياضية مما يُفسد أجمل لعبة عرفها الإنسان. فالإدارة ليست أمراً عابراً بل هي الأساس الذي يقوم عليه كل شيء، فإذا صلحت، صلحت معها الملاعب، وسمت الرياضة كلها. لا يمكن لأي رياضة أن تنهض ما لم تتكئ على إدارة نزيهة تمسك بزمام القرار وتحتكم للقانون وتلتزم بالشفافية والمحاسبة وهذا ما يفتقده الاتحاد العام لكرة القدم.
Krimhashimi5@gmail.com.
0912677147



