هل حان توقيت تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين القاهرة والخرطوم

محمد بابكر:
في منعطف استراتيجي لافت أعادت القاهرة تعريف قواعد اشتباكها مع الأزمة السودانية مطلقةً بياناً رئاسياً شديد اللهجة يوم الخميس 18 ديسمبر 2025 عقب استقبال الرئيس المصري لرئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان البيان الذي وصفه مراقبون بأنه الأقوى منذ عقود لم يكن مجرد تصريح دبلوماسي بل إعلان صريح نقل الموقف المصري من حياد حذر ودعوات للحوار إلى مرحلة الردع الاستراتيجي والتلويح بخيارات حاسمة لحماية أمنها القومي الذي بات مصيره مرتبطاً بشكل وثيق بمستقبل السودان.
تجاوز البيان المصري لغة الدبلوماسية المعتادة ليرسم خطوطاً حمراء واضحة لا تقبل التأويل مؤكداً أن أمن السودان ووحدته هما جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. وتمثلت هذه الخطوط في محورين أساسيين لا مساومة عليهما
أولاً رفض قاطع لأي محاولة لتقسيم السودان أو إنشاء كيانات موازية تهدد سيادته ووحدة ترابه.
ثانيا التشديد على أن انهيار مؤسسات الدولةالسودانية وعلى رأسها الجيش هو أمر لن تسمح به القاهرة تحت أي ظرف.
يعكس هذا الموقف الحاسم إدراكاً مصرياً عميقاً بأن الصراع الدائر لم يعد شأناً داخليا بل تحول إلى تهديد وجودي قد تمتد تداعياته الكارثية عبر الحدود، لتهدد الاستقرار الهش في منطقة حوض النيل والبحر الأحمر بأكملها.
لعل النقطة الأكثر دلالة في البيان كانت الإشارة الصريحة إلى اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين هذا التلويح ليس مجرد مناورة سياسية بل هو رسالة ردع استراتيجية متعددة الأبعاد موجهة للأطراف الداخلية المتصارعة والقوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المشهد السوداني مفاد الرسالة أن القاهرة تمتلك الغطاء القانوني والشرعية الدولية، بموجب الاتفاقيات الثنائية للتدخل وحماية مصالحها الحيوية إذا ما تم تجاوز الخطوط الحمراء المعلنة.
وبهذا يضع الموقف المصري ثقلاً عسكرياً وسياسياً هائلاً خلف الجهود الدبلوماسية ويؤكد أن صبر القاهرة الاستراتيجي له حدود، وأن سيناريو تفكك السودان أو تحوله إلى دولة فاشلة هو أمر غير مقبول مصرياً على الإطلاق.
من المتوقع أن يحدث هذا التحول في الموقف المصري أصداءً متباينة على الساحتين الإقليمية والدولية من المرجح أن يجد الموقف المصري دعماً قوياً من حلفاء رئيسيين مثل المملكة العربية السعودية التي تشارك القاهرة قلقها العميق من تداعيات انهيار الدولة في السودان على أمن الملاحة في البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي. وبصفتها عضواً فاعلاً في الرباعية الدولية قد ترى الرياض في الحزم المصري خطوة ضرورية لزيادة الضغط على الأطراف المتحاربة.
قد تنظر دول مثل إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان إلى الموقف المصري بحذر خشية أن يؤدي أي تدخل عسكري محتمل إلى تعقيد الأزمة وزيادة تدفقات اللاجئين عبر حدودها المشتعلة أصلاً. ومع ذلك فإن هذه الدول التي تعاني بالفعل من تداعيات الصراع قد ترى في الحزم المصري فرصة لإنهاء الأزمة التي تهدد استقرارها أيضاً.
يتوقع أن يكون رد الفعل الغربي بقيادة واشنطن حذراً. فبينما تتفق العواصم الغربية مع القاهرة على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان ومنع كارثة إنسانية إلا أنها ستبدي قلقها من أي خطوات عسكرية أحادية قد تزيد من تعقيد الصراع وعلى الأرجح ستدعو هذه الدول إلى ضبط النفس وتكثيف الدبلوماسية لكنها قد تنظر سراً إلى الموقف المصري كورقة ضغط إضافية يمكن استخدامها في المفاوضات.
قد ترى موسكو في الموقف المصري فرصة لتعزيز نفوذها في المنطقة خاصة في ظل سعيها الحثيث لترسيخ وجودها في إفريقيا والبحر الأحمر. ومن الممكن أن تقدم دعماً سياسياً للموقف المصري في المحافل الدولية كمجلس الأمن بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في مواجهة النفوذ الغربي.
إن البيان المصري الأخير ليس مجرد رد فعل على زيارة دبلوماسية بل هو إعلان عن عقيدة أمنية جديدة تجاه الجار الجنوبي. لقد وضعت القاهرة جميع الأطراف أمام مسؤوليتها مؤكدة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام خطر يهدد وجودها. الأسابيع القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الرسالة الرادعة كافية لتغيير مسار الحرب أم أن وادي النيل مقبل على مرحلة جديدة من التصعيد الذي قد يعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها.

