الدفع الإلكتروني في السودان.. حين نصمم الحل حول الإنسان تنجح الدولة تلقائيا

الطيب الجعلي الطيب:
غالبا ما ينحصر النقاش حول الدفع الإلكتروني في السودان في الأدوات، وهذا ما لاحظته في طرح كثير من الزملاء الذين تناولوا هذا الموضوع:
مثلا هل نستخدم ماكينة نقاط الدفع، ام البطاقات المصرفية، ام نستخدم التطبيقات المصرفية، أم نلجأ لنظام الوكيل.
لكن إذا نظرنا للتجارب في العالم من حولنا فانها تقول لنا بوضوح:
التحول الحقيقي لا يبدأ بالأداة، بل بطريقة التفكير.
السؤال الأهم ليس: ما الذي نستخدمه الآن؟
ولكن هو: أي نموذج دفع نريد أن نعيش معه كأفراد، وأن تبني عليه الدولة اقتصادها؟
يبدأ التحول من حياة الناس
بالنسبة للمواطن، الدفع ليس مفهوما مالي اولا تقنيا، كما أنه ليس معنيا بفذلكة و مصطلحات و تنظير التقيين، ولكن ببساطة ما يعني المواطن هو التجربة اليومية المعاشة والتي ستؤدي لنجاح النموذج المستخدم او فشله الذريع، ما يعني المواطن (المستخدم) :
هل هو نظام سهل؟ هل هو نظام آمن؟ هل يوفر الوقت والجهد؟
هل يجنبني حمل الكاش ومخاطره؟
أي نظام دفع لا يجعل حياة الناس أسهل من الكاش، لن ينجح في تقليل الكاش، مهما كانت نواياه أو تسمياته.
في الحقيقية الكاش: عبء مشترك على المواطن والدولة
الاعتماد الواسع على النقد لا يخلق فقط إزعاجا يوميا للمواطن، بل يحمل مخاطر حقيقية: فقدان وسرقة، صعوبة إثبات السداد، أخطاء وتلاعب
وعلى مستوى الدولة: تكلفة عالية لطباعة العملة ونقلها وتأمينها، صعوبة التتبع والمراجعة، ضعف الرقابة والتحصيل الضريبي، توسع الاقتصاد غير الرسمي، لهذا، فإن تقليل التعامل بالكاش ليس رفاهية تقنية، بل مصلحة مباشرة للناس والدولة معا
الأدوات المختلفة… وأدوارها الحقيقية
الدفع بالبطاقات وأجهزة نقاط البيع يهدف – من حيث المبدأ – إلى تقليل الكاش، وهذا اتجاه مفهوم ومهم، لكنه يظل مرتبطا
بانتشار البطاقات، بوجود أجهزة وبحضور مادي في كثير من الحالات.
وفي المقابل، النماذج التي تعتمد على وسطاء نقديين (نظام الوكلاء) قد تحل إشكالات مرحلية، لكنها: تبقي المواطن داخل دائرة الكاش، ولا تدخله مباشرة في النظام المالي
ولا تقلل المخاطر المرتبطة بالنقد فعليا.
التجربة العملية تظهر أن الوسيلة التي تضع الدفع في يد المواطن نفسه هي الأكثر تأثيرا.
لماذا نجحت دول قريبة منا؟
في دول مثل كينيا وصوماليلاند، لم يكن النجاح بسبب وفرة الموارد أو قوة المؤسسات، بل بسبب اختيار بسيط:
الهاتف كنقطة البداية، المواطن يدفع بنفسه
في أي وقت ومن أي مكان دون كاش ودون وسيط
النتيجة:
تراجع طبيعي لاستخدام النقد
توسع الشمول المالي
تحسن التحصيل
وانخفاض التكلفة التشغيلية
حين يكون الحل قريبا من حياة الناس،
يتغيّر السلوك تلقائيا، وتتبع الأنظمة هذا التغيير.
ماذا تكسب الدولة حين تصمم المنظومة حول الناس؟
عندما تكون تجربة الدفع سهلة وآمنة:
يلتزم المواطن أكثر
تقل النزاعات والأخطاء
تتوفر بيانات دقيقة وفورية
ينخفض تسرب الإيرادات
تتحسن كفاءة تحصيل الضرائب والرسوم
أي أن: ما يريح الناس، يقوي المالية العامة ويقلل المخاطر دون قرارات قسرية.
الصورة المتكاملة
الدفع الإلكتروني الناجح ليس: ماكينة ولا بطاقة ولا وكيل بل منظومة:
تقلل الكاش ومخاطره، تسهل حياة الناس، تخفض تكلفة الدولة (مثل طباعة العملة) وتعزز الشمول المالي وتبني ثقة متبادلة مع تعدد الخيارات، لكن بوضوح في الاتجاه.
الذي أريد أن اقوله ببساطة هو أن التحول في الدفع ليس مشروع تحصيل، ولا مشروع تقنية، لكنه في الحقيقة مشروع: تجربة إنسان، وكفاءة دولة، واستدامة اقتصاد.
وحين نبدأ من الإنسان، نصل إلى نظام فعال و دولة أقوى بشكل طبيعي.




