الحلقة الثانية.. لم تكتمل فرحتهما بإطلالة (رُبٓا) حتى فاجأتهما الحرب بوجهها القبيح

آلمتني رسالة من أختي رجاء ، قالت فيها : لقد نزحنا.. الآن ، ومنذ ثلاثة أيام ، نسير على أقدامنا، باتجاه حلفا الجديدة ..!
مع وفود النازحين تأتينا اخبار الحرب، فتجدد فينا مشاعر الرعب والقلق والخوف من المجهول ..!
مكابدة زوجين من الصم، بين ويلات الحرب ومعاناة النزوح، كما روتها سوسن العبد للصحفي عبدالله رزق أبوسيمازة
(٢)
وصلنا إلى مدرسة الصم في سنار ، نهاية اثنتي عشر ساعة من النزوح لأكبر موجة من الناس ، الذين شردهم الاقتتال الذي بدأ يقترب من بوابات ودمدني . ولم تكن الرحلة من مدني إلى سنار ، في الظروف العادية ، بالبص أو الحافلة ، تستغرق أكثر من ثلاث إلى أربع ساعات . وصلنا ، بينما كان النازحون ، القادمون من مدينة مديني وضواحيها ، الذين كنا نراهم خلال زجاج النوافذ ، يفترشون الشوارع تحت برد قارس . كنا نراهم ، مثلما يروننا ، من خلال النوافذ . إذ لم تكن المدرسة مهيأة لاستقبال المزيد ، فقد امتلأت تماما. ولأنه لم تكن هناك منظمات دعم طوعي في سنار ، فإن من كان معه مال فقد اطمأن لوضعه ورتب أموره ، ومن لم يكن معه شيء من المال ، فقد تواصل مع أقاربه من أجل أن يحولوا له. كانت مدرسة الصم تقع نهاية شارع الاربعين جوار مدرسة الامام المهدي في حي ود العجوز. مكثنا في سنار اسبوعا ، فيما اختارت اغلب الأسر التوجه إلى كسلا ، حيث المنظمات هناك أفضل . ففي سنار كانت المعيشة قاسية ، إذ لا توجد منظمات طوعية لتساعد النازحين ، ولا يتوفر دعم حكومي .
تدفقات النازحين تسابق تدفقات اخبار الحرب:
بينما نحن في ذلك الحال ، دخلت علينا ، في احد الايام ، سيدة غريبة الملامح ، كانت آثار الذبح ظاهرة في عنقها ، وجراحها مخيطه خياطة عشوائية . بدت السيدة تائهه وكلامها غير واضح وغير مرتب . فسألناها عن النحر في رقبتها ، فقالت: ” لقد ذبحوني “! وغادرت ، بدون أن نحصل منها على معلومات كافية .. كان شكلها مخيفا.فيما بدت ، بنظراتها الزائغة ، وكأنها تبحث عن شئ ما، دون أن تجده . بعد انقضاء اسبوع ، قررنا العودة إلى الطويلة ، مسقط رأس زوجي ،والتي تقع شمال كوستي ، بولاية النيل الابيض . واقمنا هناك حتى تحرير الخرطوم . فالطويلة ، التي طاب لنا فيها المقام ، بعد خروجنا من سنار ، قرية هادئه لم تقترب منها الحرب ابدا ، وان أثرت على الحياة فيها ، في السوق من حيث وفرة السلع الاستهلاكية و الأسعار . ومع استمرار تدفق النازحين ، كانت تأتينا اخبار الحرب ، وتطوراتها ، فتجدد فينا مشاعر الخوف والرعب والقلق وأسئلة المصير المجهول . كانت القريه عامره بالنازحين الذين وفدوا إليها من الخرطوم ومدني، خصوصا . وكانت خيراتها الطبيعية وفيرة ، حيث يجود عليها النيل الأبيض بمياه الري التي تسقي مشروعا زراعيا كبيرا ، يزرع فيه الأهالي الذرة وابو سبعين والطماطم وعباد الشمس . وكان انتاج المحاصيل يكفي حاجة السكان ويزيد ، ويتم بيع الفائض في سوق كوستي ، قضيت هناك اياما لا تنسى. وفي الجانب الآخر ، في الفادنية ، شرق الجزيرة ، حيث كان اهلي يقيمون، وبالتحديد بالقرب من مدينه ودراوه ، أصبحوا ، الأن ، مهددين بالحرب، بعد سقوط مدني ، بسبب الطريق الشرقي الذي يربط مدني بالخرطوم . فقد انقطعت منهم خدمات الإنترنت والاتصالات التلفونية والكهرباء والمياه ، وارتفعت أسعار السلع الضرورية والخدمات. وبالنتيجة انقطعت أخبارهم عني تماما.
مرت شهور عديده وأنا أحاول الوصول إليهم أو التواصل معهم ، دون جدوى . لكن في يوم من الأيام، وصلتني رسالة من أختي الكبيرة ، رجاء ، تقول فيها : ( يا سوسن.. نحن نزحنا إلى حلفا الجديدة ، لأن الدعامة دخلوا القرية، ونهبوها وعاثوا فيها فسادا). وقد آلمتني الرسالة كثيرا ، واصابتني بالكدر ، لطالما أحببت قريتي التي ولدت وترعرعت فيها. كانت الرسائل ، التي بدأت تصلني ، بعد ذلك من اهلي ، تحمل لي المزيد من الالام والمواجع : ( ها نحن ، منذ ثلاثة أيام ، نسير على الأقدام ، في اتجاه حلفا الجديدة . نفترش الأرض ونلتحف السماء . نعاني الجوع والمرض والارهاق . الحوامل اجهضن . ومات الكثير من المرضى أثناء النزوح ، وبعد العودة منه .) وفي القرية المجاوره لنا ، تحديدا ، كان الموت فيها بالجملة).
خلال أيام النزوح عانى النازحون ، كثيرا ، من العطش والجوع على الطريق . وعند الوصول إلى حلفا مات الكثير من اهلي ومن أهل القرى المجاوره ، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة . وعند العودة بدأت عجلة الموت تسحق العائدين ، ثانية ، بأعداد كبيرة…
مما يروى من قصص النزوح الحزينة ، أن امرأة ، من قرية مجاورة ، أنجبت حديثا ، كانت تحمل طفلها ، الذي لم يكمل الأربعين يوما منذ ولادته ، كانت تسير وتجري مع الجارين ، وعندما قطعوا مسافة طويلة ، طلبت منها امها أن تتوقف وتجلس لترضع الطفل ، ثم تواصل المسير ثانية . لكن المسكينة عندما جلست وتهيأت لارضاع الطفل ، لم تجده . كان البشكير الذي لفت به الطفل خاليا. ويقال ، أيضا ، أن الدعامة دخلوا على واحدة من أهلنا عندها خمسه بنات صغار.. من شدة الخوف وقعت أرضا وماتت . قيل الدعامة الذين دخلوا على تلك السيدة وغيرها من السكان ، لم يكونوا سودانيين. كانوا يرتدون ملابس داخلية فقط ، ويتزينون بحلق في الأذنين، وأذكر أنه عندما دخل الدعامة قريتي الفادنية، والقرى المجاورة لها ( المحس الرقيبة ، وديم جادالكريم ، وبلولة ابوشمال ، ومدينة ود رأوه) ، كان السكان خرجوا سيرا على الأقدام ( إذ أن السيارات والدفارات تمت مصادرتها سلفا ) ، ولم يسمح الدعامة للمغادرين بالخروج إلا بعد تفتيشهم ، ومصادرة ما يحملون من الهواتف والأموال والحلي الذهبية، حتى النساء لم يسلمن من التفتيش . ففقد الجميع أموالهم ومتاعهم ، وساروا بلا هدى ولا هدف..! وكان كل ما يتمنونه هو الابتعاد من المناطق التي يتواجد بها الدعامة ، لذلك توزعوا ما بين بورتسودان والشمالية وعطبرة وحلفا الجديدة.
كان قاسيا بغير حد ، أن يذل الإنسان في وطنه، وكان كل من يعترض على تعليمات الدعامة يتعرض للضرب والإهانة.
العربات المحروقة والبيوت المنهوبة على امتداد الطريق:
بعد أربعة أشهر من النزوح في حلفا الجديدة ، رجع أهلي ، إلى الفادنية ، بينما عدت إليهم بعد سنتين ، قضيت أغلبها في كوستي ، في رحلة عبر مدني ، ومنها إلى القرية ، الوادعة ، بجوار ودراوة . طوال طريق العودة من مدني ، كنت أرى العربات المحترقة ، مصفوفة على قارعة الطريق . ونسبة لأن معظم قرى شرق الجزيرة تشرد سكانها قبل قدوم الدعامة ، فقد تعرضت بيوتها للنهب ، لذلك ظلت من الخارج ، كما هي، سليمة لحد كبير من الهدم والتدمير والتخريب ، لكنها منهوبة من الداخل. نهبها الدعامة ، وأخذوا كل ما خف وزنه وغلا ثمنه ، ثم جاء من بعدهم اللصوص المحليون ، ونهبوا وسرقوا ما تبقى من نهب الدعامة.
لقد عادت الحياة في القرية لطبيعتها بسرعة ، بعد استعادة الخرطوم، وبدأ سكان قرى شرق الجزيرة سعيدين رغم ظروف الفاقة والفقر ، حيث كان عليهم البداية من الصفر.
لقد مات الكثير من سكان قريتنا والقرى المجاورة لها ، خلال العامين الماضيين ، ميته طبيعية، في الغالب ، إذ لم يكن مستبعدا تأثر بعض حالات الوفاة بشكل غير مباشر بظروف الحرب وصدماتها ، غير أنه لم يحدث أن مر عام شهد مثل هذه الكثرة في حالات الوفاة…
كانت إقامتي في ودمدني ، هذه المرة ، وانا في طريق العودة إلى قريتي ، جميلة رغم قصرها، وعمل المنظمات كان فيها الأجمل والأفضل عكس ولاية النيل الأبيض.
وقد تصادف وجودي في مدني مع بدء فصل الخريف. كانت المدرسة ، مدرسة الصم التي استضافتنا، ثانية ، واسعة وجميلة ، تزدان بالأشجار والحشائش الخضراء. وعندما ينزل المطر وتجري المياه بين الأشجار والحشائش ، يحلو المكان الذي يظلله الغيم ، فتجتمع نساء المدرسة لتناول القهوة معا ، وتحكي كل واحدة عن حياتها ، وماذا فعلت بها الحرب ، وكيف تنظر إلى المستقبل . كانت الأيام جميلة أفسدها علينا كيكل وجنوده .
ومرت الأيام والشهور وتسارعت وتيرة الحياة وعندما عدت إلى العاصمة أخيرا بعد أن تراجع القتال وسط البلاد ، وسط هدوء نسبي ، فالتقيت ببعض نساء مدرسة مدني في العاصمة ، واسترجعنا الذكريات والحكايات ، واحسسنا بأن الحياة قد بدأت تبتسم لنا من جديد. في مدني ، وفي الفانية ، كانوا كل يوم يحكون ، كل يوم ، لي حكاية جديدة، ومأساة من مآسي الحرب.
لم تمض سوى أيام قليلة ، عندما عدت إلى بيتي في الخرطوم . كنت سعيدة في بيتي ، الذي غادرته منذ أكثر من سنتين ، واللقاء مع جيراني الذين نزحوا وعادوا من جديد.
……يتبع



