وصية أستاذ على فراش الموت.. حين تتحول الحرب في السودان إلى “المحاضرة الأخيرة”

بقلم/ محمد سنهوري الفكي الأمين:
m.sanhory@yahoo.com
في سبتمبر 2007، وقف الأستاذ الجامعي الأمريكي راندي باوش (Randy Pausch)، أستاذ علوم الحاسوب بجامعة كارنيجي ميلون، ليلقي ما كان يُعرف تقليدياً بـ “المحاضرة الأخيرة” التي يلقيها الاستاذ الجامعي ويختم بها مسيرته في التدريس الجامعي ، بسبب التقاعد للمعاش او المرض او الموت المحتمل كما في حالة راندي باوش .
. لكن هذه المحاضرة، التي حملت عنوان “تحقيق أحلام طفولتك” (Really Achieving Your Childhood Dreams)، لم تكن تقليدية على الإطلاق، بل كانت وصية رجل يواجه الموت. فبعد تشخيص إصابته بسرطان البنكرياس الميؤوس من شفائه، لم يختر باوش أن يلقي محاضرة عن الفناء، بل اختار أن يجعلها احتفالاً صاخباً بـ الحياة. تحولت المحاضرة، التي انتشر تسجيلها كالنار في الهشيم، إلى كتاب عالمي نُشر عام 2008، يجمع بين الفكاهة والعمق في سرد قصة حياة مليئة بالأحلام والطموحات. إنها رسالة مفادها أن العزة الحقيقية تكمن في الطريقة التي نختار بها أن نعيش، لا في الطريقة التي نموت بها، وأن الهدف الأسمى هو ترك إرث إيجابي لأبنائه وللعالم، مؤكداً أن العوائق التي تواجهنا هي “الجدران الطوبية” التي توضع في طريقنا لا لتعيقنا، بل لترغمنا على إظهار مدى رغبتنا في تحقيق أحلامنا.
لكن مفهوم “المحاضرة الأخيرة” يأخذ بُعداً آخر أكثر قسوة ووطنية حين يُسقط على واقع أمة. ففي السودان، حيث تدور رحى “الحرب ”، تبدو الأمة بأسرها وكأنها تتلقى “محاضرتها الأخيرة” على مسرح من الدماء والدمار. هذه الحرب، التي اندلعت في أبريل 2023، ليست مجرد صراع مسلح على السلطة ووجود الدولة السودانية ، بل هي لحظة اختبار وجودي، ودرس قاسٍ يُلقى على الشعب السوداني حول قيمة الوطن، وثمن السيادة، ومعنى العزة الوطنية التي طالما تغنى بها. لقد تحولت ساحات المعارك إلى فصول دراسية، والمنازل المهدمة إلى صفحات من كتاب مؤلم، يروي كيف يمكن أن تضيع أحلام أجيال بأكملها في لحظة غياب الوعي الوطني.
الربط بين وصية باوش وقضية السودان ليس ربطاً سطحياً، بل هو ربط في العمق الإنساني. فكما أن باوش حوّل محنته الشخصية إلى منبع للإلهام، فإن الشعب السوداني مدعو اليوم لتحويل محنته الوطنية إلى منبع لإعادة البناء والتعريف بالذات. المحاضرة الأخيرة لباوش كانت عن “الجدران والمتاريس ” التي توضع في طريقنا لا لتعيقنا، بل لترغمنا على إظهار مدى رغبتنا في تحقيق أحلامنا. وفي السودان، فإن الحرب هي “الجدار الطوبي” الأعظم، الذي يختبر إرادة الشعب في استعادة دولته، وإعادة بناء عزته التي أهدرتها سنوات من الصراع الداخلي والفساد.
إن العزة في سياق باوش هي عزة الفرد في مواجهة قدره، أما في سياق السودان، فهي عزة الأمة في مواجهة مصيرها. كلاهما يدور حول الإرث: باوش أراد أن يترك إرثاً لأطفاله وللعالم عن كيفية العيش، والسودان اليوم يقاتل ليترك إرثاً لأجياله القادمة يتمثل في وطن موحد، آمن، ومستقل. هذه الحرب، بمآسيها وتضحياتها، هي المحاضرة التي يجب أن يتعلم منها الجميع أن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو الحلم المشترك الذي يستحق أن يُقاتل من أجله حتى الرمق الأخير. وعندما تضع الحرب أوزارها، سيكون الدرس الذي تعلمه السودان هو خلاصة “المحاضرة الأخيرة ”: أن لا شيء يعلو فوق وحدة الصف، وأن تحقيق الحلم الوطني هو الهدف الأسمى الذي يجب أن يتجاوز كل خلاف. إنها دعوة أخيرة للنهوض، ليعود السودان، بعد هذا الدرس القاسي، أكثر قوة وعزة وكرامة.




