وداعا للأمم المتحدة

عبدالله رزق أبوسيمازة:
كفى تعبيرا عن القلق. أمام الأمم المتحدة خطوة رمزية أخيرة ، لكنها معبرة ، ومحتشدة بالاحتجاج اللازم ، الذي تقتضيه اللحظة التاريخية الراهنة ، هي نقل مقرها ومكاتبها من نيويورك الى كاراكاس . بالكف على نحو حازم عن مكافأة الدولة المضيفة على استهانتها بالقانون الدولي.
لقد أوشكت المنظمة الدولية على الموت ، إن لم تكن قد ماتت سريريا ، على الأقل فهي لم تعد قادرة على القيام بأي من وظائفها ، وفي حدها الادني ، تمثيل نظام من الاتساق الأخلاقي يستند إليه العالم، ولحقت الأمم المتحدة بسابقتها عصبة الأمم ، ويتعين حربا عالمية ثالثة ، تدفع فيها البشرية عشرات وربما مئات الملايين من الأنفس ، لتأكيد المؤكد ، من القيم الإنسانية الضرورية للاجتماع البشري ، في ظلال السلام والتعاون والإخاء.
إن مأثرة فنزويلا، أو مأثرة أمريكا في فنزويلا، وقابليتها للتطبيق في أي مكان آخر وفي أي زمان ، لاسيما في أمريكا اللاتينية ، مبدئيا ، حسب مسؤولين أمريكيين ، يعني اندحار الثقافة ، كمعادل لما عرف منذ بعض الوقت ، في الأدب السياسي الأمريكي ، بنهاية التاريخ البربرية ، النهاية الحقيقية للتاريخ ، تعود أكثر قوة وأكثر منعة ، وحداثة ، متدرعة بكل انجازات عصر التكنولوجيا الرقمية . تعود لتضع الثقافة موضع المساءلة ، منذ قصرت عن أن تشكل حاجزا قويا أمام طوفان الفوضى، وحاميا حقيقيا للحضارة والحلم الإنساني بعالم تشيده القيم النبيلة .
بضربة فنية مباغتة ، تهاوى كل الصرح الذي ظل الإنسان يبنيه ،باسم السلام ، منذ أن عرف الحروب وويلاتها ، وانهارت هياكل النوايا السلمية الطيبة وادابها واعرافها ، وتردت كل القيم الرفيعة إلى قاع سحيق . فلم تعد للقانون الدولى ، مثلا ، من معنى ، ولا مواثيق الأمم المتحدة ، ولا الأمم المتحدة ووكالاتها ، نفسها . لم يعد العالم كله آمنا في حضور القوة المتغطرسة . فما حدث في فنزويلا ، ومن قبل في العراق وبينما ، يطال الجميع ويهدد أمن واستقرار الجميع ، ويؤسس من جديد لعالم تهيمن عليه شرائع الغاب ، وغلبة القوي وانسحاق الضعيف .




