هذا الكأس أم ذاك الطبق؟

إخلاص نمر:
المايكروبلاستيك عبارة عن جسيمات بلاستيكية دقيقة جدا، يقل حجمها عن 5ملم ،وتوجد في البيئة بسبب تحلل قطع البلاستيك الكبيرة ، وتتكون من مواد بلاستيكية مثل البوليسرين، والبولي ايثلين والبولي بروبيلين وغيرها ،وتأتي من مصادر متنوعة مثل النفايات البلاستيكية والتجارب العلمية وغيرها،وتنتشر في البيئة ،وتصل إلى المحيطات والأنهار والبحيرات والتربة والهواء،وتؤثر على الحياة البرية والنباتات والحيوانات والبشر .
ويعد البلاستيك الان الاكثر انتشارا في استخداماتنا اليومية،ويتم إنتاجه بكثرة واستهلاكه كذلك ،ما يجعل نفاياتنا اليومية لاتخلو من البلاستيك ،الامر الذي دفع بالباحثين إلى الاتجاه ، إلى دراسة معمقة وبحث متواصل من أجل الغوص في أثر البلاستيك على الإنسان والبيئة والحياة على الكوكب .

لماذا البلاستيك ؟
ويقول البروفيسور طه هارون، الأمين العام لمنظمة الهشاب للتنمية الريفية، والناشط في مجال التنمية المستدامة للساقية برس، ردا على السؤال (لماذا نختار البلاستيك في حياتنا اليومية وكوكبنا )
(اخترناه لأنه مادة “معجزة” من حيث النفعية والتكلفة، حيث وفر حلولاً سهلة وسريعة واقتصادية لاحتياجات مستحدثة في التغليف والصناعة ، لكن المشكلة تكمن في النموذج الخطي الذي نتبعه ،ننتجه بكميات هائلة و نستخدمه لفترة قصيرة نتخلص منه (غالباً في البيئة)، لأن تكلفة التخلص الآمن أو إعادة التدوير الفعالة أصبحت عالية .
وقال إن السودان يستخدم البلاستيك ليس لأنه رخيص فقط بل لانه مقاوم للصدا والتآكل ومن الكيماويات الرطبة و يمكننا تشكيله في أشكال مختلفة، سواء أكانت من ناحية جمالية او غيرها، عازل ممتاز للكهرباء والحرارة، كما انه مريح ،وفي متناول اليد ومتين ،مقارنة باكياس الورق، مع انها تلائم البيئة أكثر منه،كذلك البلاستيك عازل وخفيف ومتعدد الاستخدامات، لكن رخص ثمنه وسهولة التخلص منه دون حساب التكلفة البيئية ،هما ما أدى إلى هذه الأزمة العالمية اليوم، يجب التركيز على البحث عن بدائل وتطوير نموذج اقتصاد دائري للبلاستيك وإدارته بمسؤولية أكبر.)

دراسة..
كشفت دراسة نشرت مؤخرا في مجلة نيوكونتامنتس (New Contaminants) أن البلاستيك الدقيق ،لايبقى مجرد جسيمات في البحار والأنهار،بل يذوب تدريجيا في طبقة سطح الماء،مكونا مادة عضوية ذائبة نشطة كيميائيا ،قد تكون أكثر تأثيرا على البيئة من الجسيمات نفسها ، وقال مؤلف الدراسة جيونان غوان (أن المايكروبلاستيك لايلوث النظم المائية فقط ،بل يخلق سحابة كيمائية غير مرئية ،تتغير عند تعرضها للعوامل الجوية،يحركها ضوء الشمس ،وانها مختلفة، هذه السحابة عن التي تتكون في الأنهار والتربة ).وفي دراسة أخرى في مجلة لانسيت الطبية،أوضحت أن الإنسان والكوكب يتعرضان لخطر البلاستيك في كل مرحلة ،بدء من استخراج الوقود الأحفوري المصنع منه،وصولا إلى إنتاجه واستخدامه،والتخلص منه،إذ تسهم عملية الإنتاج كثيفة الاستهلاك للطاقة،في تفاقم أزمة المناخ .

سحابة كيمائية
ويتفق الكيمائي والباحث في قضايا البيئة والاستدامة، الدكتور الفاتح يسن مع الدراسة موضحا أن قطع البلاستيك الأصلية تحتوي على مواد كيميائية تنفصل مع التكسر، وتتأكسد هذه الجسيمات بالتعرض للضوء، فتكوّن مركبات عضوية غنية بالأكسجين.
وتتشكل في الماء “سحابة” كيميائية غير مرئية، وهذه الجسيمات والجزيئات الذائبة تتفاعل كيميائياً، وتُغير من توازن المجتمعات الميكروبية وتؤثر على دورات الكربون والمغذيات في الماء.
وأشارا إلى أن البكتيريا تغطي هذه الجزيئات، فتتغير خصائصها، وتلتهمها الحيوانات البحرية، ما ينقل البلاستيك والملوثات المرتبطة به عبر الشبكة الغذائية، الأمر الذي يحدث تغير في العمليات البيوكيميائية، وفي النهاية تصل هذه الملوثات إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية والماء.

فشل وخيبة أمل…
وكان أن وافقت في العام 2019 أكثر من 187دولة عضو بالأمم المتحدة ،على تعديل اتفاقية بازل ،لتشمل النفايات البلاستيكية وتصنيفها ضمن المواد الخطرة،بهدف تنظيم التجارة العالمية ،وتقليل تلوث المحيطات بإشراف برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
وفي أغسطس من العام 2025، انهارت مفاوضات جنيف حول معاهدة البلاستيك العالمية،إذ فشلت الدول في الوصول إلى نص ملزم قانونيا ،بسبب خلافات حول تقليل إنتاج البلاستيك،الأمر الذي أثار خيبة أمل كبيرة.وينتج العالم نحو 450 مليون طن من البلاستيك سنويا ،وأمنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على زيادتها بنحو 70%بحلول عام 2040.
وكشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة (نيتشر ميديسن Nature Medicine)في أبريل 2024 كشفت عن أن تركيز المايكروبلاستيك في الدماغ البشري ارتفع بنسبة 50%منذ العام 2016، فيما اثبت معهد بانسيت للطاقة والبيئة ،وجود هذه الجزيئات في الدم والكبد واللعاب والمشيمة، وتشيرالابحاث إلى أن التعرض المزمن لهذه الجزيئات الدقيقة،يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان وأمراض المناعة الذاتية واضطرابات الإدراك والولادة المبكرة.
افتراضات..
ويوضح الدكتور احمد زيدان استشاري جراحة المخ والأعصاب أن الدراسات المنتشرة عن تأثير البلاستيك على الدماغ ،مازالت تعتمد على (الاحتمالات والفرضيات والملاحظة فقط )ونحن نحتاج إلى دراسات مطولة وعميقة للوصول إلى حقائق ثابتة ومؤكدة .
جينات وراثية ..
وتؤكد الدكتورة احسان فقيري استشارية أمراض الدم ،أن المايكرو بلاستيك موجود حولنا نتيجة للتلوث البيئي،فالاكياس البلاستيكية عندما تتعرض للحرارة الشديدة تطلق جسيمات دقيقة جدا هي المايكروبلاستيك ،تؤثر على صحة الإنسان ،وتتركز في المخ والقلب والكلى والدم ونستنشقها جميعا مع الهواء ويمكن أن تغير في الجينات الوراثية.

صحة انجابية..
وهنا أشارت الدكتورة رؤى أبو هريرة استشارية النساء والولادة،الى أن الدراسات قد أثبتت أن المايكروبلاستيك يعبر المشيمة اثناء الحمل ويصل لدم الجنين ،كما يعبر ويصل الى حليب الأم، ويترك أثره على صحة المولود خصوصا على المدى البعيد. وأردفت قائلة ( إن تعرض الإنسان للمايكروبلاستيك على المدى الطويل ،بلا شك يترك آثارا سلبية ، هذه التأثيرات تشمل الالتهابات المزمنة واضطرابات الجهاز المناعي، كما يؤثر على توازن الهرمونات خاصة على النساء، حيث تلعب الدورة الهرمونية دورا اساسيا في الصحة الانجابية،الأمر الذي يؤثر بدوره على الخصوبة والهرمونات الداعمة لها).
وابانت أبو هريرة أن هنالك العديد من الدراسات عن تأثير المايكروبلاستيك على الصحة الإنجابية، والصحة بشكل عام مازالت في طور البحث والاستقصاء،ووجهت رؤى الدعوة للجميع للتوقف عن استخدام البلاستيك الردىء ،والاتجاه نحو استخدام البدائل الورقية والبلاستيك النظيف على أقل تقدير، وزادت ( يجب حماية الأطفال من استخدام البلاستيك الضار بشكل مطلق ).
وكان أن نشر موقع سينس اليرت Science) Alert )ماتوصل إليه علماء وباحثين في الصين ذكروا أن جزيئات البلاستيك الدقيقة المتسربة من أنظمة معالجة المياه المركزيه ،مصدر قلق متزايد لأنها تشكل مخاطر صحية محتمله على الإنسان عند استهلاك الماء ،وقال المهندس (يمين يو من جامعة قوانتشو أن غلي الماء ،يمكن أن يزيل التلوث في الجسيمات البلاستيكيه).
من هذه الدراسة ، ربما يطل الحل ويودع العالم الخوف، وتهديد المايكروبلاستيك لحياتنا .




