الجيش السوداني.. الحصن الأخير في مواجهة مخطط التفتيت

هنالك فرضية مقلقة تنتشر في الأوساط السياسية والشعبية العربية تفيد بوجود مخطط خارجي ممنهج يهدف إلى تدمير الجيوش الوطنية في المنطقة.
وتقوم هذه الفرضية على ملاحظة نمط متكرر عبر تدخلات أجنبية وصراعات داخلية يؤدي إلى انهيار أو إضعاف الجيوش النظامية لتحل محلها ميليشيات متناحرة مما يترك فراغاً استراتيجياً تستفيد منه قوى إقليمية وعلى رأسها إسرائيل.
هذه الفرضية شملت حالات عدة لدول عربية شهدت هذا المصير المأساوي.
ففي العراق يعد قرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر رقم 2 الصادر في 23 مايو 2003 بحل الجيش العراقي وأجهزته الأمنية بمثابة “الخطيئة الأصلية” التي فتحت أبواب الجحيم على العراق والمنطقة.
هذا القرار الذي تم تبريره بضرورة “اجتثاث حزب البعث” أدى إلى تسريح ما يقارب 400 ألف جندي وضابط مدرب ليجدوا أنفسهم بلا عمل أو راتب في بلد يعاني من فوضى الاحتلال. وقد اعترف مسؤولون أمريكيون لاحقاً بأن هذا القرار كان خطأً فادحاً حيث شكل هؤلاء الجنود المسرحون نواة أساسية للجماعات المسلحة التي قاومت الاحتلال ولاحقاً تنظيم “داعش”.
لقد تحول العراق الذي كان يملك أحد أقوى جيوش المنطقة إلى دولة هشة أمنياً واقتصادياً تغرق في بحر من الميليشيات الطائفية وتعتمد على توازنات القوى الإقليمية والدولية.
في ليبيا كان التدخل العسكري لحلف الناتو عام 2011 تحت ذريعة “حماية المدنيين” هو الضربة القاضية للدولة.
فخلال سبعة أشهر نفذ الناتو أكثر من 26,000 طلعة جوية منها 9,700 طلعة هجومية دمرت البنية التحتية العسكرية للجيش الليبي.
وقد اعترف الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بأن “عدم التخطيط لليوم التالي” لسقوط القذافي كان “أسوأ خطأ” في فترة رئاسته حيث تحولت ليبيا إلى حديقة خلفية للميليشيات ومخابرات العالم.
أما في سوريا فقد تحولت الاحتجاجات السلمية إلى حرب أهلية مدمرة أودت بحياة ما يزيد عن 350 ألف شخص موثق مع تقديرات بأن العدد الحقيقي أكبر بكثير.
وقد أدت الحرب إلى نزوح أكثر من 13 مليون سوري بين لاجئ ونازح داخلياً.
الجيش السوري الذي كان يعد قوة إقليمية تم استنزافه وتدميره بشكل ممنهج وأصبحت البلاد مقسمة بين مناطق نفوذ متعددة فهناك قوات النظام المدعومة من روسيا وإيران وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً وفصائل المعارضة المدعومة من تركيا بالإضافة إلى الضربات الإسرائيلية المتكررة التي تنتهك السيادة السورية بشكل مستمر.
في اليمن أدت الحرب الدائرة منذ عام 2014 إلى تدمير قدرات الجيش الوطني وتفتيته على أسس مناطقية وقبلية وحزبية.
فبعد أن كان جيشاً موحداً انقسم بين ولاءات متعددة وأصبحت البلاد ساحة حرب بالوكالة بين قوى إقليمية مما أدى إلى مقتل أكثر من 377 ألف شخص حتى نهاية 2021 وخلق أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
هذا التفتيت يخدم بشكل مباشر القوى التي تسعى للسيطرة على مضيق باب المندب الاستراتيجي حيث تسعى إسرائيل لتأمين خطوط ملاحتها في البحر الأحمر.
في الصومال استغلت حالة الانهيار والفوضى منذ التسعينيات وحجة “محاربة القرصنة والإرهاب” لتعميق الانقسامات وتكريسها. ومؤخراً برز الدور الإسرائيلي بشكل واضح من خلال الاعتراف بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي.
هذه الخطوة التي وصفتها صحيفة “وول ستريت جورنال” بأنها تهدف لتوسيع النفوذ الإسرائيلي في القرن الأفريقي تمنح إسرائيل موطئ قدم استراتيجي بالقرب من باب المندب بهدف حماية الممرات البحرية وبناء تحالفات أمنية جديدة.
أما السودان فيشهد حربا مدمراً بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع المتمردة وهي حرب يرى الكثيرون أنها تندرج ضمن نفس النمط الكارثي.
حيث تعود جذور الأزمة في السودان إلى عقود من السياسات التي أدت إلى خلق قوة عسكرية موازية للجيش ( مليشيا الدعم السريع) والتي نمت لتصبح منافساً له على السلطة والموارد خاصة مناجم الذهب.
هذه القوة تم توجيهها واستقلالها من قبل الكيان الصهيوني عبر وكيلها الإمارات لتنفيذ أجندة الكيان عبر تشريد الشعب السوداني وتقسيم ارضه وجلب بني اسرائيل(الجنجويد) السبط الأصلي لبني إسرائيل ليحلوا محل السكان الأصليين في السودان.
الحرب الحالية لا تهدد وحدة السودان فحسب بل تهدد بتدمير أحد آخر الجيوش العربية الكبرى.
إن استهداف الجيش السوداني يخدم أجندة واضحة تهدف إلى إضعاف السودان ومنعه من أن يصبح قوة إقليمية فاعلة. فالسودان بموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وموارده الهائلة يعتبر عمقاً استراتيجياً لمصر والأمن القومي العربي.
وقد عبّر مسؤولون إسرائيليون عن هذه الرؤية صراحة حيث صرح وزير الأمن الإسرائيلي السابق آفي ديختر بأن “سودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من سودان قوي وموحد وفاعل” وأن العمل على إضعافه “ضرورة من ضرورات الأمن القومي الإسرائيلي”. وتاريخياً عملت إسرائيل على تأجيج النزاعات الداخلية في السودان كما حدث في دعمها لانفصال جنوب السودان بهدف إشغال البلاد ومنعها من تعظيم قدراتها.
من هذا المنطلق يجب المحافظة على الجيش السوداني لأنه الضمانة الأساسية التي تحمي السودان من التقسيم وهو القادر على إفشال مخططات الكيان الصهيوني تجاه تفتيت السودان وتشريد شعبه ومحو تاريخه.
إن انهيار الجيش يعني فتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الخارجية الطامعة في موارد السودان وموقعه وتحويله إلى دولة فاشلة مقسمة مما يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري والعربي ككل.
عند وضع هذه الأحداث جنباً إلى جنب تتشكل صورة قاتمة لمصير الجيوش العربية. فسواء كان ذلك نتيجة تخطيط استراتيجي خارجي أو نتيجة حتمية للضعف الداخلي والاستبداد السياسي الذي سهل هذه التدخلات فإن النتيجة واحدة دول مفككة وميليشيات متناحرة وفراغ استراتيجي يملؤه “جيش الكيان” ليعزز هيمنته.
إن تجاهل هذا النمط المتكرر من قبل الحكومات العربية والإسلامية يطرح تساؤلات جدية حول مدى وعي النخب الحاكمة بحجم الخطر المحدق أو مدى تواطئها في تمرير هذا المخطط الذي يهدد مستقبل المنطقة بأسرها.




