بيوت الخرطوم تعود لأهلها بدون تفاوض

محمد بابكر:
القوات المسلحة السودانية كتبت على أرض الوطن فصول التاريخ الحديث بحبر من نار ونور لا بالحبر الباهت للاتفاقات السياسية.
لقد سقطت السردية التي طالما رددها المرجفون تلك التي ربطت مصير العواصم والمدن بتوقيع إتفاقيات في ظاهرها تحقيق السلام وفي باطنها تنازل عن السيادة بثمن بخس.
فبزئير المدافع التي حررت الأرض وأزيز المحركات التي شقت عنان السماء معلنة عودة السيادة تحررت القرى والمدن وعاد انسان السودان للعاصمة الخرطوم دون توقيع اتفاق.
من المرتفعات الشاهقة في جبل موية مرورا بقلب الجزيرة النابض في مدني وقراها الوادعة وصولا إلى شرايين العاصمة الخرطوم وامتدادا إلى عمق كردفان الصامد في الدلنج وكادقلي لم تكن العودة قرارا ينتظر بل كانت فعلا ينجز.
لقد عادت هذه المدن إلى حضن الوطن ليس كثمرة لمساومات مذلة أو صفقات تحت الطاولة بل كحصاد مرّ لتضحيات القوات المسلحة وإرادة شعب أبيّ رفض أن يكون مصيره رهينة في أيدي العابثين.
لقد تبخرت أوهام أولئك الذين تاجروا بمعاناة الناس وبنوا قصورا من رمال على شاطئ السلطة الزائلة.
صدموا حين رأوا الحقيقة تتجلى أمامهم وطن يستعيد عافيته بقرار من أبنائه وشعب يعود إلى دياره التي طهرت من دنس المليشيا ودولة تنهض من تحت حطام المؤامرة.
وفي ظل هذه الملحمة الوطنية جاء المشهد الأكثر رمزية وقوة هبوط طائرة “سودانير” على مدرج مطار الخرطوم الدولي. كان تتويجا للنصر وإعلانا مدويا بأن الدولة التي راهنوا على انهيارها لا تزال جذورها ضاربة في عمق هذه الأرض.
عودة الناقل الوطني ذلك السفير فوق العادة هي الرد العملي الذي أحرق أوراق الخونة وأخرس أبواق اليأس.
إن صوت محركات الطائرة الذي دوى في سماء الخرطوم كان بمثابة نشيد وطني جديد عزفته الإرادة والبسالة ليطوي صفحة المصطلحات المحبطة التي وصفت العاصمة بأنها غير صالحة للحياة .
لقد أثبتت الخرطوم أنها ليست صالحة للحياة فحسب بل صالحة للحب وللعزة ولأن تبقى شامخة كعاصمة للكرامة الأبدية.
في نهاية المطاف لا يسع المرء إلا أن يتساءل بصدق إذا كان مشهد تحرير مدن السودان لا يملأ قلبك بالفرح وإذا كان صوت أزيز سودانير وهو يعانق سماء الخرطوم لا يثير فيك قشعريرة الفخر واذا كانت عودة السودانيين الي العاصمة والي قراهم ومدنهم لاتبهجك فعليك أن تراجع بوصلة انتمائك. فالوطنية ليست خيارا بل هي فطرة ومن يقف ضد فطرة حب وطنه فقد اختار أن يقف في الجانب الخطأ من التاريخ.


