كيف يواجه السودانيون حرب التضليل الإعلامي؟

محمد بابكر:
في وقت تخوض فيه القوات المسلحة السودانية معاركها دفاعا عن سيادة البلاد ووحدة أراضيها تتشكل جبهة موازية لا تقل تأثيرا عن ميادين القتال تتمثل في حرب إعلامية متصاعدة تُدار عبر الفضاء الرقمي ومنصات إقليمية ودولية. وهي معركة وعي بامتياز تستخدم فيها أدوات التضليل وتسييس المعاناة الإنسانية للتأثير على الرأي العام ومحاولة إضعاف تماسك المجتمع في واحدة من أكثر المراحل تعقيدا في تاريخ السودان الحديث.
ومع كل تطور ميداني تشهده العمليات العسكرية تتزايد حدة الخطاب الإعلامي الذي يستهدف الحالة المعنوية للمواطنين عبر محتوى يعتمد على التهويل والصدمة ويركز على تضخيم التحديات الإنسانية القائمة ويجري توظيف هذه التحديات في كثير من الأحيان ضمن سياق سياسي يسعى إلى ترسيخ صورة دولة عاجزة عن إدارة أزمتها متجاهلا تعقيدات الواقع وتشابك العوامل المحلية والإقليمية المؤثرة فيه.
وتبرز في هذا الإطار تقارير متداولة تتحدث عن مخاطر مجاعة أو انتشار أوبئة مثل الكوليرا وحمى الضنك في خطاب إعلامي يقدم المشهد السوداني بوصفه حالة انهيار شامل. وغالبا ما تصدر هذه السرديات عن منصات إعلامية خارجية تستند إلى معاناة المدنيين لكنها في المقابل لا تولي اهتماما كافيًا للجهود الوطنية المبذولة لتعزيز الأمن الغذائي وفي مقدمتها مشاريع إنتاجية كبرى مثل مشروع الجزيرة ومشروع السوكي الزراعي ومشاريع حلفا والقصارف التي لا تزال تشكل ركيزة مهمة للاستقرار الاقتصادي والغذائي في البلاد.
ورغم اتساع نطاق هذا الاستهداف الإعلامي أظهر الشارع السوداني درجة عالية من الوعي وقدرة ملحوظة على التمييز بين توصيف المعاناة الإنسانية المشروعة وبين محاولات توظيفها سياسيا. ويعكس الرفض الشعبي الواسع لوجود المليشيا موقفا تشكل على خلفية تجربة طويلة من الانتهاكات وأعمال العنف التي طالت المدنيين أكثر من كونه رد فعل ظرفيًا أو عاطفيا.
وقد تبلور هذا الوعي في جملة من المواقف العامة من بينها رفض أي دور للمليشيا في مستقبل السودان والتحفظ على عودة قوى ومنصات سياسية ارتبط اسمها بتبرير الانتهاكات أو توفير غطاء سياسي لها. كما تصاعدت في الخطاب العام انتقادات للأدوار الخارجية في مسار الصراع إلى جانب تنامي الدعوات للاعتماد على الذات وتعزيز الإنتاج المحلي بوصفه خيارا استراتيجيا للحد من الاعتماد على المساعدات الخارجية وشروطها.
وفي موازاة ذلك يواجه المشهد السياسي الداخلي نقاشا متزايدا حول مواقف بعض القوى والوسطاء الذين اتخذوا مواقف اعتبرت متماهية مع المليشيا. فبينما كان الداخل يرزح تحت وطأة القتال والنزوح نشطت هذه الأطراف في الخارج ضمن مسارات سياسية وإعلامية أثارت جدلا واسعا. ويعكس الرفض الشعبي لعودتها إلى المشهد السياسي حالة من المساءلة الأخلاقية قبل أن يكون اصطفافا سياسيا تقليديا.
في الختام يبقى الرهان الأساسي على وعي المواطن السوداني وقدرته على حماية إرادته الوطنية وسط هذا الزخم الإعلامي المتضارب. فالوقائع التي تتشكل على الأرض ومستوى الالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة ومؤسسات الدولة الاخري تمثل عوامل أساسية في مواجهة حملات التضليل مهما تنوعت أدواتها وتعددت منصاتها.
ومهما اتسعت دوائر التأثير الإعلامي تبقى قدرة أي خطاب خارجي على إعادة تشكيل الواقع محدودة في ظل مجتمع يعيش تفاصيل أزمته اليومية ويملك من الخبرة والوعي ما يمكنه من التمييز بين الحقيقة والسرديات المصنوعة.




