مقالات

هل تقترب المواجهة بين واشنطن وطهران؟

بقلم/ رانيا عمر:

تنظر طهران إلى تحركات عناصر القوات الخاصة الأمريكية في محيطها الإقليمي بوصفها أدوات ضغط سياسي لا أكثر، وهي قراءة تعكس ثقة إيران بأوراق القوة العسكرية والتفاوضية التي تمتلكها. غير أن الضغوط المفروضة عليها تتجاوز أطر المفاوضات التقليدية، ولا تقتصر على شخصيات أمريكية بعينها، بل تمتد لتشمل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي يجد نفسه اليوم محاصراً بجملة من الصراعات المتشابكة.

ترمب بين ضغوط الداخل ورفض الخارج
يواجه ترمب على الصعيد الداخلي ملفات سياسية وإعلامية ضاغطة، بينما يصطدم خارجياً برفض إقليمي ودولي واسع لأي ضربات عسكرية مباشرة ضد إيران، نظراً لما قد تجره من تداعيات غير محسوبة على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة والأمن الإقليمي. في هذا السياق، يدرك ترمب أنه قد يجد نفسه عالقاً بين ضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واللوبي المؤيد لإسرائيل من جهة، ومتطلبات التوازنات الإقليمية والدولية وحسابات الداخل الأمريكي من جهة أخرى، مما يجعل أي قرار عسكري محفوفاً بمخاطر سياسية واستراتيجية بالغة.

كتلة دولية تكبح التحرك الأمريكي المنفرد
لاحت في الأفق بوادر تحالف وتقاطعات مصالح غير مسبوقة بين دول مثل مصر والسعودية والسودان وقطر وتركيا وإيران وباكستان، مع حضور روسي وصيني واضح المعالم. ينذر هذا بتشكّل كتلة سياسية رافضة لانزلاق المنطقة نحو حرب شاملة، تحدّ بدورها من قدرة واشنطن على التحرك المنفرد. وقد أسهم هذا الواقع المركّب في كبح اندفاع ترمب خلف رغبة نتنياهو في توجيه ضربة عسكرية لإيران، ودفعه إلى تفعيل قنوات تفاوض غير مباشرة عبر مسقط بدلاً من أنقرة. ومن أبرز هذه المعطيات الموقف السعودي الصريح الرافض لاستخدام أراضيه أو مجاله الجوي في أي هجوم على إيران، وهي ورقة كان يمكن لطهران أن تبني عليها استراتيجياً بصورة أعمق.

مفاوضات مسقط: مسار مفتوح بلا أفق
بالرغم من إدراك الفاعلين الدوليين بأن المسار التفاوضي الجاري محدود الأفق ومن غير المرجح أن يفضي إلى نتائج عملية، فإن التصريحات الإيجابية الصادرة عن الجانب العُماني تعكس رغبة في إبقاء هذا الباب مفتوحاً. والشروط المطروحة على طاولة المفاوضات، وعلى رأسها تقييد القدرات الصاروخية الإيرانية كماً ونوعاً وخفض مداها بما يضمن عدم تهديد إسرائيل مستقبلاً، تُعد من منظور طهران شروطاً تعجيزية تمس جوهر عقيدتها الدفاعية وبالتالي غير قابلة للنقاش.
ولا تتوقف المطالب الأمريكية-الإسرائيلية عند هذا الحد، بل تمتد إلى شروط أكثر حساسية تتعلق بإعادة تشكيل بنية النظام السياسي الإيراني والتخلي عن حلفائه الإقليميين، وفي مقدمتهم قوى فاعلة في اليمن ولبنان وفصائل المقاومة في المنطقة. وهي مطالب تدرك واشنطن جيداً أنها تمثل خطوطاً حمراء مطلقة لطهران لا يمكن أن تقبل بها تحت أي ظرف.

نتنياهو يحمل ملف الحرب إلى واشنطن
يستعد نتنياهو لزيارة واشنطن برفقة قيادات عسكرية رفيعة المستوى، في خطوة تعكس تصاعد الطابع الأمني والعسكري وتبدو كأنها مجلس حرب مصغّر. ومن غير المنطقي أن تقتصر مخرجات هذه الزيارة على رسائل سياسية عامة، إذ إن طبيعة الوفد المرافق ترفع من احتمالية بحث سيناريوهات عسكرية، سواء بضوء أخضر أمريكي صريح أو عبر تحرك إسرائيلي منفرد في حال استمرار التردد داخل الإدارة الأمريكية.
يعتمد مشروع نتنياهو القائم على توسيع رقعة الصراع، إلى حد كبير، على استمرار حالة التوتر. وفي حال توقفت ماكينة الحرب، تبرز احتمالات سقوط حكومته وعودته إلى المساءلة القضائية بوصفها سيناريوهات واقعية وقد تكون قريبة، مما يجعل التصعيد بالنسبة إليه ضرورة بقاء سياسي قبل أن يكون خياراً استراتيجياً.

السؤال الذي بات مختلفاً
تبدو إيران مطالبة بإعادة قراءة المشهد بدقة أكبر واستثمار أوراق قوتها الإقليمية بصورة أعمق. فالسؤال لم يعد: هل ستقع المواجهة؟ بل: متى، وبأي ثمن، ومن سيدفع فاتورة هذه الحرب إذا ما وقعت؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى