
محمد بابكر:
في قلب الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالسودان تقف شركة الخطوط الجوية السودانية (سودانير) كأحد آخر رموز السيادة الوطنية والذاكرة الاقتصادية للدولة. لكنها اليوم لا تواجه مجرد صعوبات تشغيلية أو مالية بل تخوض معركة وجود حقيقية في مواجهة مخطط ممنهج يستهدف تصفية الشركات الوطنية ذات القيمة الاستراتيجية عبر صراعات داخلية وأجندات خارجية متشابكة.
تشير معلومات مؤكدة إلى وجود حراك يعمل بصورة منظمة على تقويض ركائز الاقتصاد الوطني. ويبرز ضمن أهدافه السعي للسيطرة على الحصة الاستراتيجية التي تمتلكها (سودانير) في مطار الخرطوم الدولي في سياق نمط متكرر يستهدف الشركات السودانية ذات الشراكات الدولية أو الأصول الحيوية بغرض تفريغها من مضمونها وبيعها لاحقا بأبخس الأثمان.
وقد تجلت هذه المحاولات بوضوح خلال مراحل سابقة من ملف الخصخصة حيث دفعت لجان بعينها نحو تجريد (سودانير) من أصولها وتصويرها ككيان منهار فاقد للقيمة تمهيدا لتصفيتها.
غير أن هذه المساعي اصطدمت برفض شعبي واسع ورفض قاطع من إدارة الشركة التي أكدت على لسان مديرها العام الكابتن مازن بأن (سودانير ليست للبيع) وهو موقف نابع من إدراك راسخ بأن المال العام ملك للشعب وأن التفريط فيه يمثل اعتداء مباشرا على حقوقه ومستقبله.
وتبرز المفارقات أيضا في الفارق الصادم لأسعار تذاكر الطيران. فبينما تحاول (سودانير) الالتزام بأسعار تراعي الظروف المعيشية القاسية للمواطنين إذ يبلغ متوسط سعر رحلة بورتسودان–الخرطوم نحو 200 ألف جنيه سوداني بينما تفرض شركات خاصة أسعارا خيالية تصل إلى 830 ألف جنيه بل وتتجاوز أحيانا حاجز المليار جنيه للرحلة ذاتها. هذا التفاوت لا يطرح فقط تساؤلات حول عدالة المنافسة بل يكشف عن صراع خفي ستقوده جهات لا يروق لها وجود ناقل وطني يحد من جشع السوق ويقدم خدمة تراعي المواطن المنهك بفعل الحرب والانهيار الاقتصادي.
إن الدفاع عن (سودانير) ليس قضية منفصلة بل هو جزء أصيل من معركة وطنية أشمل لحماية مؤسسات استراتيجية أخرى مثل شركة السكر السودانية وشركة الاقطان وهيئة الموانئ البحرية. فهذه المؤسسات ليست مجرد كيانات اقتصادية بل هي ملك عام لكل السودانيين وأي محاولة لإضعافها أو الاستيلاء عليها تمثل انتهاكا صارخا لإرادة الشعب وحقوقه.
وتجسيدا لهذا الوعي الشعبي انطلقت حملة وطنية يقودها مواطنون سودانيون بالداخل والعاملون بالخارج تهدف إلى شراء طائرات إضافية لأسطول الخطوط الجوية السودانية عبر مساهمات شعبية تودع في حساب خاص ببنك السودان. هذه المبادرة لا تمثل دعما ماليا فحسب بل هي استفتاء شعبي يؤكد أن (سودانير) ليست مجرد شركة بل كرامة وطن يرفض التفريط في مقدراته.
وعليه فإن كل من يسعى لتصفية هذه الشركات أو إزاحتها من المشهد الاقتصادي يجب أن يدرك أن المؤسسات الوطنية خط أحمر لا يمكن تجاوزه. (سودانير) ليست عبئا على الدولة بل فرصة كامنة وبذرة لمشروع وطني عملاق. وبإرادة شعبها يمكن أن تستعيد مكانتها لتصبح واحدة من أكبر شركات الطيران في السودان وإفريقيا. إنها محروسة بوعي الشعب وستظل سدا منيعا في وجه كل من تسول له نفسه المساس بها لأن قضيتها ليست قضية شركة بل قضية وطن بأكمله.
في الختام لا يمكن النظر إلى قضية (سودانير) بمعزل عن معركة الهوية والسيادة التي يخوضها السودان اليوم. إنها تمثل المرآة التي تعكس صراع الإرادات بين رؤية وطنية تسعى للحفاظ على مقدرات الدولة وأخرى مدفوعة بمصالح ضيقة لا ترى في الوطن سوى أصول قابلة للبيع والمساومة. إن الحملة الشعبية لدعم الناقل الوطني ليست مجرد محاولة لإنقاذ شركة بل هي تجسيد حي لإيمان شعب بأحقيته في امتلاك مستقبله ورسم ملامحه. ستظل (سودانير) تحلق في سماء الوجدان السوداني كرمز للصمود وشاهد على أن إرادة الشعوب حين تتحد تصبح أقوى من كل المؤامرات والصفقات وقادرة على إعادة بناء ما هدمته الأزمات.




