محمد بابكر يكتب:صمود السودان يقلب الطاولة… كيف حوّل الجيش والدبلوماسية الدفاع إلى هجوم؟

لا شئ يغير المعادلة مثل الصمود على الأرض والتحرك الذكي على الساحة الدولية في عالم تحكمه المصالح وتوازنات القوى
فبعد أن غض العالم الطرف طويلا عن العبث الإماراتي بأمن السودان، ظنا أن المعركة محسومة لصالح الميليشيات المدعومة خارجيا جاءت الصدمة من الخرطوم نفسها.
إن صمود القوات المسلحة السودانية وخبرتها التكتيكية مقترنا بالأداء الدبلوماسي القوي لمندوب السودان في الأمم المتحدة هو ما قلب الموازين وحول موقف السودان من الدفاع عن النفس إلى الهجوم السياسي الذي أجبر العالم على الاستماع.
كان الرهان الدولي قائما على انهيار سريع للدولة السودانية ومؤسساتها العسكرية أمام الدعم الهائل الذي تتلقاه الميليشيات. لكن هذا الرهان فشل الامارت تكتيكات القوات المسلحة واعتمادها على تقارير قوي الحرية والتغير والتي تفيد بأن الجيش السوداني في أضعف حالته.
على عكس التوقعات أظهر الجيش السوداني قدرة فائقة على الصمود وامتصاص الصدمات الأولية. فبفضل خبرته المتراكمة وتكتيكاته الميدانية تمكن من إعادة ترتيب صفوفه وشن هجمات مضادة فعالة محبطا مخططات السيطرة السريعة.
هذا الصمود لم يكن مجرد دفاع بل كان استنزافا ممنهجا للمشروع المدعوم من الخارج.
أيضا استصحبت القوات المسلحة السودانية في معركتها الحلول السياسية وكشف الأوراق.
بالتوازي مع الصمود العسكري قاد مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير الحارث إدريس معركة دبلوماسية لا تقل شراسة.
فبدلا من الاكتفاء بالشكوى انتقل إلى الهجوم المباشر مقدما
الأدلة والوثائق التي تدين تورط الإمارات بشكل لا يقبل الجدال.
خطاباته القوية والمباشرة أمام مجلس الأمن والتي سمت الأشياء بأسمائها خلقت حالة من الإحراج الدولي وجعلت من المستحيل على القوى الكبرى الاستمرار في تجاهل الحقائق. لقد نجح في تحويل القضية من (نزاع داخلي) إلى (عدوان خارجي موثق) واضعا الكرة في ملعب المجتمع الدولي.
إن التحول في الموقف الدولي وفضح الدور الإماراتي عبر تقارير مثل تقرير رويترز لم يأتِ من فراغ أو نتيجة لصحوة ضمير. بل كان نتيجة مباشرة للواقع الجديد الذي فرضه السودان
بينما أثبت صمود الجيش أن الاستثمار في الميليشيات لم يحقق أهدافه وأصبح عبئا مكلفا بلا عائد استراتيجي.
جعلت تحركات مندوب السودان من الصمت الدولي تواطؤا مفضوحا مما دفع بعض القوى إلى تغيير موقفها لحفظ ماء الوجه.
عندما اضطرت الإمارات نتيجة فشلها في السودان إلى البحث عن ساحات نفوذ جديدة كإثيوبيا اصطدمت مباشرة بالخطوط الحمراء الأمنية لدول كبرى كالسعودية ومصر مما سرع من قرار رفع الغطاء عنها.
ما نشهده اليوم من بداية لعزل الإمارات دوليا ليس منحة من أحد بل هو إنجاز حققه السودان بدم أبنائه وحنكة دبلوماسييه. لقد أثبت أن الدول التي تدافع عن سيادتها بإرادة صلبة قادرة على تغيير أعتى المعادلات الدولية.
لقد نجح السودان في تحويل الدفاع إلى هجوم وفرض على العالم الانتقال من الصمت إلى الكلام ومن التستر إلى الفضح.
الرسالة الآن واضحة زمن التدخل بلا عواقب قد ولى.
بفضل صمود السودان أصبح ملف الإمارات مفتوحا على مصراعيه أمام المساءلة الدولية.
وهكذا يسدل الستار على أسطورة (الدور الوظيفي) الذي لا يمس لتكتب فصول الحكاية من جديد بأحرف من صمود وإرادة.
لم تكن الخرطوم مجرد ساحة معركة بل كانت مرآة كشفت عورة الصمت الدولي ومختبرا أثبت أن الإرادة الوطنية حين تقترن بالحنكة الدبلوماسية قادرة على تفكيك أقوى التحالفات الصامتة. إن ما حققه السودان لا يحرر قضيته من قيود التجاهل فحسب بل يرسم خارطة طريق لكل دولة تواجه عدوانا مغلفا بالمال والإعلام.
الحق الذي يدافع عنه السودان بقوة يفرض نفسه في النهاية على عالم لا يحترم إلاالأقوياء.



