من الصومال إلى السودان… هل نملك قرار “الناتو العربي”؟

بقلم/ رانيا عمر:
لم يعد “الناتو العربي” مجرد خيار مطروح في بيانات القمم أو حلم يتجمّل به الخطاب القومي في المحافل؛ بل غدا ضرورة حتمية تفرضها هشاشة المشهد الإقليمي وتسارع ملء الفراغات الأمنية من قِبَل قوى لا تشاركنا لا الجغرافيا ولا الهواجس. والسؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل ليس: هل نملك الفكرة؟ بل: هل نملك القرار؟
تحرك يطرح سؤال قديم
كشف موقع “أوراس” في الرابع عشر من فبراير الجاري عن تحركات مصرية جدية لإحياء مشروع القوة العربية المشتركة، في صيغة تستحضر روح حلف شمال الأطلسي ومبدأه الجوهري: الدفاع الجماعي الذي يجعل أي اعتداء على عضو واحد اعتداءً على الجميع.
وهو مشروع يُطرح للمرة الثانية بعد نحو تسع سنوات على ظهوره الأول، في سياق إقليمي أشد اضطراباً مما مضى، تتشابك فيه ملفات متوهجة: حرب غزة، واعتراف إسرائيل بـ”صومالاند”، والحرب المستعرة في السودان، وأمن الممرات البحرية، وتصاعد النفوذ غير العربي في عمق الجغرافيا العربية.
تُعدّ التحركات المصرية في الصومال خلال الأشهر الماضية النموذج الأمثل لفهم كيف يمكن أن يبدو هذا الحلف في صورته العملية. عزّزت القاهرة وجودها العسكري والتدريبي هناك في إطار اتفاقيات تعاون أمني ترمي إلى تحصين مؤسسات الدولة الصومالية ومكافحة الإرهاب، ولكنها في الجوهر تحرس مصالح استراتيجية مصرية مباشرة تتصل بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وإذا كانت القاهرة ترى في الصومال امتداداً حيوياً لأمنها القومي، فإن القوة العربية المشتركة ستمنح مثل هذا التدخل غطاءً سياسياً وقانونياً أرسخ وأوسع، بدلاً من أن يبقى رهين اتفاقيات ثنائية هشة معرّضة لتقلبات السياسة. ثمة سابقة تُوضع اليوم، والسؤال هو: هل تتحول إلى نموذج؟
السودان: السيناريو الأشد تعقيداً
إذا كان الصومال يمثل الاختبار الأيسر، فإن السودان يقف في الطرف الآخر من سلّم التعقيد، فالحرب الداخلية الممتدة والتدخلات الإقليمية المتشابكة وتعارض المصالح يجعلون أي حديث عن نشر قوات عربية في الخرطوم بالغ الحساسية، محاطاً بأسئلة لا تحتمل الإجابات المبهمة.
من الناحية النظرية، تتيح اتفاقية الدفاع العربي المشترك المنبثقة عن جامعة الدول العربية إمكانية التدخل بطلب رسمي من دولة عضو. لكن التطبيق ظل تاريخياً محدوداً، يتعثر في كل مرة أمام الانقسامات السياسية العربية.
فإذا تُصوِّرنا تفعيل هذه الآلية اليوم، تتراكم التساؤلات: هل تكون المهمة لحماية مؤسسات الدولة؟ أم للفصل بين المتقاتلين؟ أم لتأمين الحدود والمرافق الاستراتيجية؟ وهل ستتحمل العواصم العربية الكلفة السياسية لمثل هذا القرار؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلية؛ إنها مفصلية، لأنها تمس جوهر الإرادة السياسية العربية.
ما الذي يعنيه قيام هذا الحلف فعلياً؟
لو خرج المشروع إلى النور بقيادة مصرية ومشاركة خليجية ومغاربية، فسنكون أمام تحول نوعي حقيقي في معادلة الأمن الإقليمي، تتكشف ملامحه في ستة محاور متكاملة:
أولها الردع الجماعي: إذ إن وجود قوة عربية ذات هيكل قيادي واضح وآلية تدخل محددة يرسل رسالة واضحة لكل من تسوّل له نفسه استغلال هشاشة دولة عربية.
وثانيها تقليص التدخلات غير العربية: فكثير من الأزمات العربية تحولت إلى ساحات نفوذ لقوى إقليمية ودولية، وقوة عربية مشتركة كفيلة بـ”تعريب” إدارة الأزمات بدلاً من تدويلها.
وثالثها تأمين الممرات الاستراتيجية: من البحر الأحمر إلى الخليج مروراً بالقرن الإفريقي، حيث يُشكّل الأمن البحري أولوية قصوى لا تحتمل الفراغ.
أما رابعها فـبناء عقيدة عسكرية مشتركة: على غرار التجربة الأطلسية، يفضي التنسيق المستمر إلى توحيد معايير التدريب والتسليح والتخطيط، بما يعزز الكفاءة ويضمن الاستدامة.
وخامسها تفعيل الصناعات الدفاعية المشتركة: مما يقلص الاعتماد على الاستيراد ويُرسي سوقاً عربية موحدة في هذا المجال الحيوي.
وسادسها وأعمقها جعل الأمن مدخلاً للنمو الاقتصادي: إذ لا يمكن فصل الاستقرار الأمني عن جاذبية الاستثمار وحماية طرق التجارة وضمان تدفق الطاقة، فمن دون قاعدة اقتصادية متماسكة سيظل أي تحالف عرضة للضغط المالي والسياسي.
التحديات
غير أن أي قراءة واقعية تفرض الاعتراف بالعقبات الكامنة في صميم هذا المشروع. من يقرر التدخل ومتى، وهل يكون القرار بالإجماع أم بالأغلبية؟ من يقود ومن يموّل، وهل تقبل القوى الكبرى عربياً بقيادة مصرية دائمة أم تكون القيادة دورية؟ وما حدود الاشتباك، هل تقتصر المهمة على الدفاع أم تشمل عمليات استباقية عند توافر معلومات مؤكدة؟
هذه الأسئلة هي صلب التحدي، وتجاهلها لن يُؤخّر الإجابة عنها، بل سيجعلها أكثر إيلاماً حين تفرض نفسها في الميدان.
وتكشف التحركات المصرية في الصومال أن القاهرة لم تعد مكتفية بالدبلوماسية التقليدية في حماية مجالها الحيوي، بل تتجه نحو أدوات أكثر مباشرة وحضوراً. ومع إحياء مشروع القوة العربية المشتركة، تبدو مصر وكأنها تُعيد صياغة مفهوم الأمن القومي العربي في لحظة لا تحتمل الانتظار، والقرن الإفريقي تحديداً يحتاج إلى هذا الحضور أكثر من أي وقت مضى.
والحقيقة التي لا تحتمل التلطيف هي أن الفراغ الأمني العربي لم يبقَ فراغاً نظرياً؛ بل تملؤه قوى إقليمية ودولية وفق مصالحها الخاصة. وما لم تبادر الدول العربية إلى بناء منظومة ردع جماعي حقيقية وفعّالة، فستظل تتعامل مع أزماتها بردود فعل متفرقة بدلاً من رؤية استراتيجية موحدة.
“الناتو العربي” – إن وُلد – لن يكون مجرد تحالف عسكري؛ بل إطاراً أمنياً واقتصادياً يُعيد صياغة موازين القوة في المنطقة ويُعيد للعرب صوتاً في رسم مستقبلهم. والسؤال الوحيد الذي سيحسم كل شيء ليس: هل نملك الفكرة؟ بل: هل نملك القرار؟




