منوعات وفنون

عودة قوية لبرنامج أغاني وأغاني

مرتضی داؤود الخليفة: 

في خضم ظروف عصيبة تمر بها بلادنا، حيث تداعيات الحرب المستمرة تلقي بظلالها على كافة الأصعدة الإنسانية والثقافية والاجتماعية، جاء برنامج “أغاني وأغاني” الذي يُبث على شاشة النيل الأزرق ليشكل استثناءً مبهجاً في المشهد الثقافي. فبعد توقف دام لأكثر من عامين، وتحت وطأة ظروف قاسية فرضت على كثير من البرامج الفنية التوقف أو التغيير، عاد البرنامج هذا العام مسجلاً من القاهرة، ليقدم جرعة من الأمل والجمال في وقت كان السودانيون في أمس الحاجة إليها.

كانت المفاجأة الأبرز هي ظهور مقدم البرنامج، الأستاذ مصعب الصاوي، بشكل مختلف تماماً. فلم يعد دوره مقتصراً على التقديم التقليدي، بل تحول إلى راوٍ محترف لتاريخ الأغنية السودانية. ما لفت الانتباه هو تمكنه من سرد تفاصيل دقيقة عن كل أغنية تم تسجيلها، وأرشيفاً حياً ينبض بالذاكرة. هذا التوثيق الدقيق أضاف للبرنامج بُعداً أكاديمياً رصيناً، جعله مرجعاً قيماً لمحبي الموسيقی ، وأعاد للأغاني مكانتها كأثر ثقافي يستحق الحفظ والتأريخ، خاصة في زمن تتسارع فيه محاولات طمس الهوية أو تشتيت الذاكرة الجمعية بسبب الحرب.

لكن النجاح لم يكن ليكتمل لو اقتصر البرنامج على الجانب التوثيقي الجاد فقط. فقد نجح الصاوي في تقديم نموذج نادر للمقدم الذي يجمع بين الحكيم والفكاهي. من خلال تفاعله العفوي مع المشاركين من الفنانين، أظهر قدرة على المزج بين الاحترام الواجب لهم، وبين إطلاق القفشات الخفيفة والألقاب التي كسرت حاجر التكلف وأضافت أجواء من الألفة والمرح. هذه الروح جعلت الحلقات أشبه بجلسة فنية حميمية، حيث يسود الحوار الممتع بعيداً عن الجمود الرسمي، مما منح المشاهدين السودانيين، سواء داخل البلاد أو في الشتات، متنفساً مؤقتاً من وطأة الأخبار المؤلمة.

ولم يقتصر التغيير على المضمون فقط، بل امتد ليشمل المظهر العام، الذي جاء متناغماً مع روح العصر، دون أن يفقد هويته السودانية الأصيلة. هذا التناغم بين الشكل والمضمون، وبين العمق والمرح، هو ما صنع المعادلة الصعبة التي استطاع البرنامج تحقيقها، ليؤكد أن الفن قادر على تجاوز الحدود الجغرافية والصعاب السياسية ليظل حاضراً في وجدان الناس.

في المحصلة، يمكن القول إن نجاح أغاني وأغاني هذا العام لم يأتِ بالمصادفة، بل نتاج رؤية واضحة استثمرت طاقة التوقف في إعادة الابتكار، وسط ظروف استثنائية مرت بها البلاد. إنه نموذج يحتذى به في كيفية تقديم البرامج الفنية التراثية بأسلوب معاصر يرضي الذوق الجماهيري دون المساس بقيمة المحتوى، ويذكرنا بأن الثقافة والفن هما سندان الصمود في أحلك الظروف.

كل التوفيق والسداد نتمناه للأستاذ مصعب الصاوي، على ما بذله من جهد، ونسأل الله له دوام التألق والنجاح في الأعوام المقبلة، ليبقى هذا البرنامج شاهداً على أصالة الأغنية السودانية وحيوية من يقدمونها، وعلى قدرة السودان رغم الجراح على أن يظل نابضاً بالحياة والفن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى