مقالات

محمد بابكر يكتب:  برلين لا تقرر مصير السودان

في ظل الأزمة السودانية المتفاقمة كثرت المبادرات الدولية التي تسعى ظاهريا إلى إيجاد مخرج سياسي يعيد الاستقرار للبلاد. غير أن هذه التحركات وعلى رأسها مؤتمر برلين لم تمر مرورا عاديا في وجدان الشارع السوداني بل أثارت رفضا متصاعدا. هذا الرفض لم يكن لمحتوى المؤتمر أو نتائجه المحتملة بل طرح سؤالا جوهريا.. من يملك الحق في رسم مستقبل السودان؟

يتصاعد الرفض في الشارع السوداني لمؤتمر برلين لا كمبادرة دولية لمعالجة الأزمة بل كرمز لإشكالية أعمق تتعلق بالسيادة والتمثيل وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

بينما ترى قلة محسوبة بأصابع اليد في المؤتمر فرصة لدعم الاستقرار يذهب السواد الأعظم من السودانيين إلى اعتباره تدخلا مرفوضا ومحاولة لإعادة إنتاج وصاية خارجية على قرار وطني خالص.

جوهر هذا الرفض الشعبي يقوم على مبدأ بسيط لكنه حاسم هو أن السودان دولة ذات سيادة وشعبه لم يطلب من أي جهة خارجية أن تتولى حل أزماته.
وهذا الشعور ليس وليد اللحظة بل هو نتاج تراكمات تاريخية من تجارب التدخل الخارجي آخرها تدخل (فولكر) والتي كثيرا ما انتهت إلى تعقيد المشهد بدلا من تبسيطه. لذلك فإن أي مبادرة تأتي من خارج الحدود دون تفويض شعبي واضح تقابل بالرفض مهما كانت نواياها المعلنة.

الخطاب الرافض لمؤتمر برلين لا يكتفي بالتشكيك في جدواه بل يذهب إلى رفضه بوصفه منصة تصاغ فيها حلول بعيدة عن الواقع السوداني وقد تفرض لاحقا كأمر واقع. ويستند هذا الموقف إلى قناعة راسخة بأن الأزمة السودانية بتعقيداتها الاجتماعية والسياسية لا يمكن فهمها أو معالجتها من غرف مغلقة في عواصم بعيدة.
فالسودان لا يمثل مجرد ملف دبلوماسي بل مجتمع حي بتاريخه وتنوعه وتوازناته الدقيقة مما يجعل أي معالجة خارجية قاصرة بطبيعتها عن الإحاطة بكامل المشهد.

في هذا السياق يبرز شعار يتردد بقوة هو. أن(السودانيون وحدهم من يحق لهم التحدث في الشأن السوداني) . وهو شعار يحمل بعدين أساسيين الأول يتعلق بالسيادة الوطنية والثاني بالشرعية.
فالقوى التي تجتمع خارج السودان حتى وإن كانت تضم شخصيات سودانية لا ينظر إليها باعتبارها معبرة عن إرادة الداخل بل تتهم في نظر قطاعات واسعة بأنها مرتبطة بأجندات خارجية.
وهو ما يفسر حالة الرفض الواسع لمشاركة بعض الشخصيات في مثل هذه المؤتمرات حيث ينظر إليها باعتبارها (مفوضة من الخارج) لا من الشعب.

ورغم هذا الرفض لا ينكر السودانيون حاجتهم إلى دعم إنساني في هذه المرحلة الحرجة. لكن هذا الدعم وفق الرؤية الشعبية يجب أن يكون بشروط سودانية لا بإملاءات خارجية. فالإشكالية ليست في مبدأ التعاون الدولي بل في طبيعته وحدوده.
فالسودانيون لا يرفضون الدعم بل يرفضون الوصاية. ويرون أن أي دور خارجي يجب أن يقتصر على الإسناد لا أن يتحول إلى بديل عن الإرادة الوطنية.
الانتقاد الأعمق لمؤتمر برلين يتمثل في أنه بحسب رؤية واسعة داخل السودان يقفز فوق حقيقة أن المشكلة الأساسية داخلية تتعلق بصراع السلطة وغياب التوافق وضعف المؤسسات.
وبالتالي فإن نقل النقاش إلى الخارج لا يحل هذه الإشكالات بل قد يمنح بعض الأطراف شرعية لا تملكها داخليا ويزيد من تعقيد الأزمة بدلا من حلها.
كما أن استمرار الانقسام الداخلي يفتح الباب أمام التدخلات ويمنحها مبررات إضافية.

من هنا لا يكتفي الشارع السوداني برفض مؤتمر برلين بل يطرح بديلا واضحا يتمثل في نقل مركز المؤتمر بالكامل إلى الداخل عبر إطلاق حوار سوداني سوداني حقيقي يعقد داخل البلاد ويشمل كل الأطراف دون إقصاء ويستند إلى قاعدة شعبية واسعة.
هذا الطرح يقوم على قناعة بأن الحلول التي تصاغ داخل السودان حتى وإن كانت بطيئة أو معقدة ستكون أكثر استدامة وواقعية من أي حلول تفرض من الخارج.

عليه فان الجدل حول مؤتمر برلين يعكس معركة أعمق حول السيادة وحق تقرير المصير. وبين الرفض الشعبي لأي تدخل خارجي والحاجة الواقعية إلى دعم دولي وهنا تتشكل معادلة دقيقة
لا حل بدون السودانيين ولا استقرار بدون توافق داخلي.
وما لم تحسم هذه المعادلة لصالح إرادة وطنية جامعة تظل كل المؤتمرات مهما تعددت عواصمها تدور في فلك الأزمة دون أن تقترب من حلها الحقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى