حين تنقضّ الجرذان على صاحبة الجلالة

بقلم/ محي الدين قمر الدين:
تابعت باهتمام بالغ الأيام الماضية،شكاوي واحتجاجات عارمة من قبل زملاء المهنة،لما آلت اليه الصحافة من تردي وانحطاط لمهنة عرفت بالمصداقية والرصانة والحصافة.وحقيقة ما يحدث في الصحافة السودانية اليوم من ليس مجرد تدهور مهني، بل سقوط أخلاقي مدوٍ، وانقلاب على مهنة دفعت ثمنها أجيال من الصحفيين نزاهةً واعتقالًا وتشريدًا. ما يجري هو غزو كامل، تقوده جرذان الظلام، تتسور سور الصحافة لا لتكتب، بل لتنهش، وتُعتم، الحقيقة. لقد تحولت الصحافة – عند هؤلاء – إلى مغنم حرب. حرب بلا قواعد، بلا شرف، بلا ضمير. دخلها من لا يعرف الفرق بين الخبر والإشاعة، مجموعة من الفاقد التريوي وعديمي الموهبة لايستطيعون لجهلهم التمييز بين الرأي والتحريض، أقلام مأجورة، وعقول خاوية، ونفوس رخيصة، تتصدر المشهد وتدّعي الوصاية على الوعي العام. هذه ليست صحافة،انما مزبلة اعلامية،منصات تُدار بالكراهية، وعناوين تُصاغ بالدم، ومحتوى يُنتج لتفكيك المجتمع لا لتنويره. كل من يملك هاتفًا صار “صحفيًا”، وكل من يصرخ أو يشتم أو يُحرّض صار “مؤثرًا”، بينما تُداس المهنية، وتُهان الحقيقة، ويُسحل عقل المواطن في الشارع العام.
الأشد فداحة أن هذه الجرذان لا تعمل وحدها؛ فهي تستمد جرأتها من صمت مخزٍ، ومن مؤسسات فقدت هيبتها، ونقابات شاخت قبل أن تؤدي دورها، وقوانين وُضعت في الأدراج بينما تُذبح المهنة في العراء. صمتٌ جعل التفاهة معيارًا، وجعل الانحطاط سقفًا عامًا.
الصحفي الحقيقي اليوم مُطارَد في مهنته. يُتهم لأنه يتحقق، ويُخوّن لأنه لا يشتم، ويُقصى لأنه لا يبيع قلمه. اننا لا نعيش أزمة صحافة فقط، بل جريمة منظمة ضد الوعي السوداني. فالإعلام المنفلت أخطر من المدفع، وأشد فتكًا من الرصاصة، لأنه يعيد تشكيل العقول على صورة الحقد، ويغذي الانقسام، ويمهد لانفجار لا يُبقي ولا يذر. آن الاوان أن يُقال هذا بوضوح: الصحافة التي تُدار بلا أخلاق، خيانة وطنية.والكلمة التي تُستخدم للتحريض، جريمة لا رأي.
والصمت عن هذا الخراب، تواطؤ لا حياد.
لا خلاص إلا باجتثاث الدخلاء، وفضح المزورين، وإعادة بناء الصحافة على أساس صارم: مهنية لا تُساوَم، وأخلاق لا تُجزّأ، ومسؤولية لا تُؤجَّل،غير ذلك فليُعلن الحداد على صاحبة الجلالة.



