اليوم العالمي للصحافة.. مهنة تحت النار.. وصحفيون يدفعون ثمن الحقيقة

بقلم/ رانيا عمر:
في اليوم العالمي للصحافة، لا يبدو المشهد احتفالياً كما ينبغي، بل أقرب إلى وقفة تأمل في ثمنٍ باهظ يدفعه الصحفيون حول العالم مقابل كلمة صادقة.
في بقاع كثيرة حول العالم، لم تعد الصحافة مجرد مهنة، بل صارت مخاطرة يومية. صحفيون يعملون تحت القصف، وآخرون يكتبون في ظل التهديد، وبعضهم يختفي لأنّه قال ما يجب أن يُقال.
تتعدد الجغرافيا، لكن المعاناة واحدة. من مناطق النزاع والحروب إلى الدول التي تُضيّق على الحريات، يواجه الصحفيون واقعاً قاسياً: اعتقالات تعسفية، ملاحقات قانونية، رقابة خانقة، وحملات تشويه تستهدف إسكات الصوت الحر.
ولعلّ الصورة الأشد إيلاماً هي أولئك الذين قُتلوا أو استُهدفوا أثناء أداء واجبهم. صحفيون دفعوا حياتهم ثمناً للحقيقة، سقطوا وهم يحملون الكاميرا أو القلم، ليصبحوا شهوداً لا يُسمع صوتهم بعد اليوم، لكن تبقى قصصهم حيّة في ذاكرة المهنة.
وفي المقابل، هناك من لا يزالون خلف القضبان، محرومين من حريتهم فقط لأنهم كتبوا أو نشروا أو سألوا السؤال الصحيح. هؤلاء يستحقون أن يكون هذا اليوم نداءً دائماً من أجل حريتهم وكرامتهم.
لم يعد الخطر مقتصراً على ميادين الحروب، بل امتد إلى القوانين التي تُقيّد الرأي، وإلى بيئات إعلامية تُصنّف الصحفيين وتحد من حريتهم. وهنا تفقد الصحافة جوهرها، وتتحول من سلطة رقابية إلى صوت مُحاصر.
كثير من الصحفيين فقدوا حياتهم وهم يؤدون واجبهم، وآخرون فقدوا حريتهم، أو أُجبروا على ترك أوطانهم، حاملين معهم حكايات لم تُروَ بعد. هؤلاء لا يبحثون عن بطولات، بل عن مساحة آمنة لنقل الحقيقة.
ورغم كل ذلك، تستمر الصحافة. لأن العالم، مهما تغيّر، لا يستطيع العيش دون من ينقل له ما يحدث بصدق. لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم إذا خُنقت فيه الكلمة أو خاف فيه من يكتب.
في هذا اليوم، تتجه الأنظار إلى الحكومات والمؤسسات الدولية: حماية الصحفيين ليست خياراً، بل مسؤولية. وضمان حرية التعبير لا يكتمل دون وقف استهداف الصحفيين، وإطلاق سراح المعتقلين، ومحاسبة من يعتدي على من يحملون الحقيقة.
الصحفي لا يطلب امتيازات، بل حقه في العمل دون خوف، وحقه في أن يكون شاهداً لا ضحية… أو رقماً في قائمة من فقدوا حياتهم بسبب الكلمة.
أنا أؤمن أن الحقيقة لا يجب أن تُخفى.
قد تُحاصر أحياناً، وقد يتعرض من يقولها للخطر، لكن يظل من الصعب إيقافها بالكامل.
الصحافة ليست ترفاً، بل ضرورة لوعي الناس وحياتهم. وعندما يُمنع الصحفي من قول الحقيقة، يُحرم المجتمع من حقه في المعرفة.
لهذا ستبقى الحقيقة تستحق أن تُقال… مهما كان الثمن.
كل عام والصحافة تقاوم
كل عام والصحفيون أكثر صموداً
كل عام والحرية أقرب لكل صحفي معتقل
وكل عام لذكرى من رحلوا وهم ينقلون الحقيقة
فالحرية تبدأ بكلمة… ولا تنتهي بصمت



