مقالات

السودان يصدّر المواشي ومواطنه يعجز عن شراء خروف العيد

بقلم / رانيا عمر: 

مع اقتراب عيد الأضحى، تبدو أسواق الماشية في السودان هذا العام أكثر ازدحامًا بالمتفرجين منها بالمشترين.
آلاف الأسر تتجول بين الحظائر، تسأل عن الأسعار، ثم تغادر بصمت بعدما أصبح شراء خروف العيد فوق قدرة كثير من المواطنين.
وفي بلد يُعرف تاريخيًا بثروته الحيوانية الضخمة، تتكشف مفارقة متجددة: وفرة كبيرة في المورد، مقابل صعوبة متزايدة في وصول المواطن إليه.
وفي سوق المناقل بولاية الجزيرة، أفاد تجار بأن بعض سلالات الخراف الكبيرة وصلت إلى نحو 1.8 مليون جنيه للرأس، بينما تراوح متوسط الأسعار بين 650 ألفًا و1.4 مليون جنيه.
وتتكرر الصورة في القضارف، حيث تراوحت الأسعار بين 650 ألفًا و850 ألف جنيه، مع تجاوز بعض الأنواع الممتازة حاجز 1.2 مليون جنيه.
وتبدو العاصمة الخرطوم بدورها جزءًا من هذا المشهد، إذ سجلت الأحجام المتوسطة في حلة كوكو ما بين 450 و500 ألف جنيه.
ورغم هذا التباين، تبقى النتيجة واحدة في معظم الأسواق: اتساع الفجوة بين الدخل والأسعار، بما جعل الأضحية بالنسبة لكثير من الأسر عبئًا يتجاوز القدرة الشرائية.
ويقول تجار ومختصون إن ارتفاع الأسعار يرتبط بتداعيات الحرب، وما تبعها من تعطل طرق النقل والتجارة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الوقود والأعلاف، ثم انعكاسات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية. وقد اجتمعت هذه العوامل لتضغط في اتجاه واحد على تكلفة الماشية في الأسواق.
وفي أحد أسواق الماشية بولاية الجزيرة، يقول أحد التجار:
“الناس تأتي تسأل كثيرًا، لكن الشراء أصبح محدودًا جدًا. السوق لم يعد كما كان قبل الحرب، حين كانت الحركة أكثر استقرارًا والقدرة الشرائية أفضل.”
وفي الأسواق، يكتفي كثير من المواطنين بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء، بعدما أصبحت القدرة الشرائية لا تسمح بالمنافسة في سوق الأضاحي.
وفي ظل التأكيدات الرسمية على الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها السودان في قطاع الثروة الحيوانية، تبرز المفارقة بشكل أوضح. إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن السودان يمتلك أكثر من 100 مليون رأس من الماشية، ويُعد هذا القطاع من أهم مصادر النقد الأجنبي، حيث ساهم في بعض السنوات بأكثر من 25% من عائدات الصادرات.
كما قال وزير الثروة الحيوانية السوداني أحمد التجاني المنصوري في تصريحات حديثة إن السودان قادر على تغطية 50% من احتياجات الخليج الغذائية، اعتمادًا على موارده الحيوانية والزراعية.
لكن هذه الإمكانات الكبيرة لا تنعكس بالقدر نفسه على السوق المحلي، حيث يجد المواطن نفسه أمام أسعار تفوق قدرته، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية الأساسية يومًا بعد يوم.
وخلال الأيام الأخيرة، ظهرت مبادرات مجتمعية وخيرية في عدد من المناطق لتوفير الأضاحي للأسر محدودة الدخل عبر المساهمات الجماعية والتقسيط، في محاولة لتخفيف العبء عن المواطنين والحفاظ على روح التكافل الاجتماعي. إلا أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى محدودة أمام اتساع دائرة الاحتياج وارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة.
وربما لا تختصر الأرقام وحدها حجم الأزمة، بل تفاصيل صغيرة تتكرر في الأسواق والبيوت.
ففي أحد الأسواق، وبينما كان أب مع ابنه يغادران دون شراء، سُمع الطفل يسأل بهدوء:

“إذا كانت خراف بلدنا كثيرة… لماذا لا نستطيع شراءها؟”

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يلخص واقعًا يواجهه آلاف السودانيين مع كل موسم عيد: ثروة ضخمة يملكها البلد، بينما يظل الوصول إليها أصعب على مواطنيه عامًا بعد عام.
> “حين يصبح الفرح مكلفًا أكثر من القدرة، فالمسافة بين القرار وحياة الناس تصبح هي المشكلة الحقيقية، لا ندرة الموارد.”
ويبقى العيد في النهاية مرهونًا بقدرة الناس على الوصول إلى الأضحية، لا بمجرد توفرها في الأسواق، في بلد يملك ثروة حيوانية كبيرة، بينما يواجه كثير من مواطنيه صعوبة في الاستفادة منها.
20 مايو 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى