مقالات

التقرير الذي وضع العالم في قفص الاتهام

رانيا عمر: 

في 25 مايو 2026، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً من 83 صفحة بعنوان “من بوغوتا إلى الفاشر”. لكن ما صدر في ذلك اليوم لم يكن مجرد تقرير حقوقي جديد يضاف إلى أرشيف الحرب السودانية المثقل بالدماء والانتهاكات، بل بدا أقرب إلى لائحة اتهام عابرة للحدود تبدأ من كولومبيا، وتمر عبر الإمارات العربية المتحدة، وتنتهي عند خنادق الفاشر وحقول القتل الجماعي في دارفور.
التقرير يوثق وقائع حرب داخل السودان، لكنه في بنيته الأعمق يكشف شبكة أوسع. يعتمد على مقابلات وشهادات ووثائق وصور ومقاطع فيديو، إضافة إلى تحليل جغرافي وتتبع لمسارات انتقال معقدة. ويخلص إلى أن متعاقدين عسكريين كولومبيين جرى تجنيدهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، قبل أن يُنقلوا عبر مسارات متعددة ليظهروا لاحقاً في السودان إلى جانب مليشيا الدعم السريع خلال واحدة من أكثر مراحل الحرب دموية.
ومن هنا يتغير مستوى القراءة. فالتقرير لا يكتفي بسرد الوقائع أو تتبع حركة الأفراد، بل يفتح سؤال حول البنية التي جعلت هذا المسار ممكناً. شهادات عن مقاتلين أجانب تتقاطع مع مناطق شهدت مجازر جماعية واغتصاباً واسع النطاق وتجويعاً واستهدافاً مباشراً للمدنيين، ما يوسع دائرة السؤال من المنفذين إلى الشبكات التي وفرت الغطاء لاستمرار هذا النمط من العنف.
وفي قلب هذا المشهد، يلوح استنتاج غير مريح: لم تعد الحرب في السودان تُدار داخل حدوده فقط، بل أصبحت مرتبطة بشبكة مصالح وعلاقات عابرة للحدود، تجعل استمرارها أقل كلفة لبعض الأطراف من توقفها، وأكثر ربحية من إنهائها. هنا لا يعود السؤال من يرتكب الانتهاكات فقط، بل من يستفيد من بقاء الحرب قائمة أصلاً.
في هذا السياق، تبرز الفاشر باعتبارها العقدة الأكثر كثافة في المشهد. المدينة التي صمدت تحت حصار طويل قبل أن تسقط وسط اتهامات بانتهاكات واسعة لم تعد مجرد ساحة قتال بين طرفين، بل أصبحت نقطة تقاطع بين الحرب المحلية وشبكات عابرة للحدود، حيث تتداخل الجغرافيا العسكرية مع مسارات التجنيد والنقل والشركات الخاصة.
ومن الفاشر ينتقل التقرير إلى تفاصيل أكثر تحديداً. يعرض شهادات لسكان تحدثوا عن رؤية مقاتلين أجانب أثناء عمليات قتل جماعي، إلى جانب أدلة على وجود متعاقدين كولومبيين في المدينة ومحيطها خلال فترات حساسة من العمليات العسكرية. كما يرسم مسارات عبور تمتد عبر الإمارات وليبيا وتشاد ومناطق أخرى وصولاً إلى دارفور، في شبكة انتقال معقدة ترتبط، بحسب التقرير، بشركة أمنية ذات صلات بنفوذ داخل دولة الإمارات.
التقرير يتجاوز التوثيق إلى استنتاجات قانونية مباشرة. استمرار تقديم الدعم العسكري أو اللوجستي أو البشري لقوات متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد يرقى إلى التواطؤ أو المساهمة في تلك الجرائم. بناء على ذلك، يضع توصيات واسعة موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية متعددة.
طُلب من دولة الإمارات وقف أي دعم مالي أو عسكري أو بشري لمليشيا الدعم السريع، وفتح تحقيقات مع الأفراد والشركات المتورطة والتعاون مع آليات التحقيق الدولية. كما دعت التوصيات الحكومة الكولومبية إلى تفكيك شبكات التجنيد التي نقلت متقاعدين عسكريين إلى ساحات خارجية. وفي السياق ذاته، طُلب من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فتح تحقيقات مستقلة وربط التعاون العسكري بمساءلة واضحة وفرض عقوبات عند الاقتضاء، بينما طُلب من مجلس الأمن توسيع التحقيقات وملاحقة الجهات التي تنتهك حظر السلاح القائم.
لكن مع هذا التراكم في الوقائع والتوصيات، يظل السؤال خارج التفاصيل التقنية.
كيف أصبح العالم قادراً على متابعة حرب بهذا الحجم، بكل ما فيها من قتل جماعي واغتصاب وتجويع ونزوح بملايين الأشخاص، دون أن ينتقل من الإدانة اللفظية إلى فعل سياسي قادر على وقفها ومحاسبة المتسببين فيها ؟
الحرب في السودان لم تعد ملفاً غامضاً. أطرافها معروفة، وشبكات الدعم المرتبطة بها موثقة في تقارير متكررة، والتطورات الميدانية مكشوفة على نطاق واسع. ومع ذلك، ما تزال الاستجابة الدولية محصورة في بيانات القلق والإدانة، بينما تتسع الكارثة على الأرض.
هنا تظهر المفارقة التي يضعها التقرير أمام النظام الدولي. لا يكتفي بتوجيه الاتهام إلى أطراف بعينها، بل يضع البنية الدولية نفسها تحت الاختبار: هل تتحول المعرفة المتراكمة إلى محاسبة، أم تبقى مجرد توثيق لمأساة مستمرة؟
لقد دفع السودانيون ثمناً هائلاً لهذه الحرب. مئات الآلاف بين قتيل ومفقود، ملايين النازحين واللاجئين، مدن دُمّرت وقرى أُزيلت، وفي المقابل، ظل التعاطي الدولي يتراوح بين القلق والإدانة، دون أدوات ردع أو مساءلة حقيقية تستهدف الفاعلين والممولين وكل من أسهم في إطالة أمد الحرب، بما في ذلك عبر تسهيل وصول السلاح إلى مليشيا الدعم السريع أو توفير شبكات الإسناد التي أبقت الحرب مستمرة.
غير أن أخطر ما يكشفه التقرير لا يتعلق فقط بالمسارات والشبكات، بل بطريقة استمرار الحرب نفسها. فهي لا تعتمد على السلاح وحده، بل على توازن يسمح للإفلات من العقاب بأن يتحول إلى عامل استقرار لهذه المنظومة.
وهنا يتحول السودان من ساحة حرب إلى اختبار للنظام الدولي ذاته، لا في قدرته على الفهم، بل في قدرته على الفعل.
ولهذا لم يعد السؤال: ماذا يحدث في السودان؟
بل السؤال أصبح: لماذا يُسمح باستمرار ما يُعرف بدقة أنه يحدث؟
فإذا عجز العالم، رغم كل هذه الأدلة والتقارير، عن الانتقال من المعرفة إلى المحاسبة، فإن ما سيبقى ليس فقط أسماء الضحايا، بل سجل كامل لكل من رأى… ثم اختار ألا يفعل شيئاً.
وعندها لن تكون الفاشر مجرد مدينة سقطت في حرب، بل علامة على لحظة رأى فيها العالم كل شيء… ثم قرر أن لا يفعل أي شيء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى