وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية في حواره مع الساقية برس: رؤيتنا للمرحلة المقبلة تقوم على الانتقال من الرعاية إلى التمكين

خطة وزارة الموارد البشرية لترميم رأس المال البشري السوداني هو إعمار الإنسان قبل الحجر
احتياجات الفئات الهشة وضحايا الحرب في ظل الظروف الاستثنائية حق وليس منحة
التحول من الأزمات إلى التحول الرقمي من ضمن رؤية الوزارة لإدارة العمل المؤسسي وضمان استدامة الخدمات في مرحلة ما بعد الحرب
في ظل ظروف استثنائية وتحديات وجودية فرضتها الحرب تبرز وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية كأحد أهم خطوط الدفاع الوطني لحماية النسيج الاجتماعي السوداني. ومع اتساع رقعة النزوح وتضرر البنية التحتية والمؤسسية تجد الوزارة نفسها في مواجهة معادلة صعبة كيف توازن بين الاستجابة العاجلة للاحتياجات الإنسانية المتفاقمة، وبين وضع أسس استراتيجية للتعافي وإعادة بناء الإنسان السوداني؟
وفي حوار صريح وشامل نستضيف فيه وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الأستاذ معتصم أحمد صالح آدم، لتسليط الضوء على رؤية الوزارة في التعامل مع ملفات الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر هشاشة وتخفيف وطأة البطالة بالإضافة إلى خطط الوزارة للتحول الرقمي وإعادة تأهيل المؤسسات ورؤيتها لمستقبل (الإنسان السوداني) الذي يمثل حجر الزاوية في مشروع التعافي الوطني القادم.
بدءا ما هي الاستراتيجية العاجلة للوزارة لدعم الأسر المتضررة والنازحة في الولايات الآمنة؟
_ منذ اندلاع الحرب وضعت الوزارة حماية الأسر المتضررة والنازحة في مقدمة أولوياتها. وتعتمد استراتيجيتنا على ثلاثة محاور متكاملة: توفير المساعدات المباشرة للفئات الأكثر هشاشة وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي ودعم سبل كسب العيش حتى لا تبقى الأسر معتمدة على الإغاثة وحدها.
وقد نفذت الوزارة عبر مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر، وديوان الزكاة، والصندوق القومي للتأمين الصحي وحكومات الولايات، برامج واسعة للدعم النقدي والعيني والرعاية الصحية استهدفت مئات الآلاف من الأسر النازحة والمتأثرة بالحرب.
وفي هذا الإطار تقوم فلسفة الوزارة على الانتقال من الإغاثة إلى الإنتاج ومن الرعاية إلى التمكين ومن الاستجابة الإنسانية المؤقتة إلى بناء مقومات التنمية المستدامة. فالحرب فرضت علينا واجبا عاجلا يتمثل في حماية المواطنين الأكثر تضررا لكننا نؤمن أن مستقبل السودان لا يمكن أن يبنى على المساعدات وحدها وإنما على تمكين الأسر من استعادة قدرتها على الإنتاج والاعتماد على الذات.
ما هي البرامج المخصصة حاليا لدعم كبار السن والأيتام وذوي الإعاقة في ظل الظروف الاستثنائية للبلاد؟
_ هذه الفئات تأتي على رأس أولويات الوزارة باعتبارها الأكثر تأثرا بظروف الحرب. وتعمل الوزارة عبر مؤسساتها المختلفة على توفير الرعاية الاجتماعية والصحية والدعم النقدي والخدمات التأهيلية لهم.
كما نعمل على إعادة تأهيل مؤسسات الرعاية الاجتماعية ودور الإيواء ومراكز الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية، وتوسيع مظلة التأمين الصحي للفئات الهشة، بالإضافة إلى تعزيز الشراكات مع المنظمات الوطنية والدولية لضمان استمرار الخدمات رغم التحديات التي فرضتها الحرب.
ونحن ننظر إلى هذه الخدمات باعتبارها حقا أصيلا للمواطن وليست منحة أو تفضلا، ولذلك نعمل على تطويرها وتوسيع نطاقها وصولا إلى نظام حماية اجتماعية أكثر عدالة وشمولا.
كيف تنظر الوزارة إلى ملف إعادة إعمار الكادر البشري السوداني وتأهيله لمرحلة ما بعد الحرب؟
_ نحن نؤمن بأن إعادة إعمار الإنسان تسبق إعادة إعمار المباني. فالحرب ألحقت أضرارا كبيرة برأس المال البشري السوداني ولذلك فإن تنمية الموارد البشرية تمثل أحد أهم ملفات التعافي الوطني.
نعمل حاليا على إعداد برامج للتدريب المهني وإعادة التأهيل ورفع المهارات بما يتناسب مع احتياجات مرحلة إعادة الإعمار، خاصة في قطاعات البناء والخدمات والإنتاج والتقنيات الحديثة، كما نسعى إلى بناء شراكات مع الدول الشقيقة والمنظمات الدولية للاستفادة من الخبرات والموارد في هذا المجال.
إن إعادة بناء الإنسان السوداني لا تعني فقط تعويض ما فقده بسبب الحرب وإنما تعني إعداد جيل يمتلك المهارات والمعرفة والقيم التي تمكنه من قيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. ولذلك فإننا نعتبر التدريب المهني وتنمية المهارات والحماية الاجتماعية والعمل اللائق أركانا أساسية في مشروعنا الوطني لإعادة بناء السودان.
ما هي الخطوات الملموسة لتخفيف حدة البطالة خاصة بعد تضرر القطاعين العام والخاص وفقدان الآلاف لوظائفهم؟
_ معالجة البطالة تتطلب حلولا غير تقليدية تتناسب مع حجم التحديات الحالية. لذلك نركز على ثلاثة مسارات رئيسية: التوسع في التدريب المهني والتقني، ودعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة، وربط التدريب باحتياجات سوق العمل.
كما نعمل مع شركائنا الوطنيين والدوليين على تصميم برامج كثيفة العمالة ومشروعات سريعة الأثر توفر فرص دخل وتشغيل للشباب والعائدين والنازحين والمتأثرين بالحرب.
ونحن لا ننظر إلى التشغيل باعتباره مجرد توفير وظائف حكومية، لأن التجربة أثبتت أن الدولة وحدها لا تستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل. ولذلك نتجه نحو بناء اقتصاد الفرص من خلال دعم المشروعات الصغيرة والأسر المنتجة وريادة الأعمال والتدريب المهني المرتبط مباشرة باحتياجات السوق، بما يحول الشباب من طالبي وظائف إلى صناع فرص عمل لأنفسهم ولغيرهم.
هل هناك تنسيق مع مؤسسات التمويل الأصغر لإطلاق حزم دعم أو قروض ميسرة للأسر المنتجة والشباب؟
_ نعم هذا الملف يمثل أحد أهم محاور عمل الوزارة في المرحلة المقبلة. وقد طرحنا رؤية وطنية للتوسع في التمويل الأصغر وريادة الأعمال باعتبارهما من أهم أدوات مكافحة الفقر وخلق فرص العمل.
ونعمل مع وزارة المالية وبنك السودان المركزي والمؤسسات المصرفية والصناديق العربية والإقليمية وشركاء التنمية لتوفير التمويل اللازم للأسر المنتجة والشباب والخريجين، مع تبسيط الإجراءات وتوسيع قاعدة المستفيدين.
ونعتقد أن التمويل الأصغر ليس مجرد وسيلة للدعم الاقتصادي، بل أداة استراتيجية للانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى الإنتاج، ومن الهشاشة الاقتصادية إلى الاستقرار والاستقلال المالي للأسر.
_ كيف يمكن للوزارة الموازنة بين تقديم الإغاثة العاجلة وبين وضع لبنات التنمية المستدامة للمجتمع؟
نحن ننطلق من مبدأ أن الإغاثة ضرورة إنسانية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا للتنمية. لذلك نحرص على أن تكون برامج الإغاثة مدخلا لبرامج التمكين الاقتصادي والاجتماعي.
فالهدف النهائي ليس فقط مساعدة الأسرة على تجاوز الأزمة، وإنما تمكينها من الاعتماد على نفسها وتحسين مستوى معيشتها بصورة مستدامة.
ولهذا فإننا نربط كلما أمكن بين الدعم الاجتماعي وبرامج التدريب والإنتاج والتمويل الأصغر، لأننا نريد أن ننتقل بالمواطن من مرحلة تلقي المساعدة إلى مرحلة المشاركة الفاعلة في النشاط الاقتصادي والتنمية.

ما هو الدور الذي تلعبه وزارة الموارد البشرية في تهيئة البيئة المجتمعية والمؤسسية لدعم قيم العدالة الاجتماعية؟
_ العدالة الاجتماعية تمثل جوهر عمل الوزارة. ونعمل على تعزيزها من خلال توسيع فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية والتأمين الصحي والتدريب وفرص العمل، مع إعطاء أولوية للمناطق والفئات الأكثر تأثرا بالحرب والتهميش.
كما نؤمن بأن العدالة الاجتماعية ليست مجرد برامج دعم، وإنما سياسات تضمن تكافؤ الفرص وتعزز التماسك الاجتماعي والاستقرار الوطني.
وتلعب الوزارة دورا محوريا في بناء مؤسسات أكثر عدالة وإنصافا، بما يسهم في تقليص الفوارق الاجتماعية ويعزز شعور المواطنين بالمواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية.
كيف تخطط وزارة الموارد البشرية لإعادة بناء الإنسان السوداني؟
_ إعادة بناء الإنسان السوداني تتطلب معالجة الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحرب، وتعزيز قيم الإنتاج والعمل والتعايش والتضامن المجتمعي.
ولذلك تعمل الوزارة على برامج للحماية الاجتماعية، والتأهيل النفسي والاجتماعي والتدريب المهني وتمكين الشباب والنساء، وبناء القدرات المؤسسية حتى يكون الإنسان السوداني هو المحرك الأساسي لعملية التعافي الوطني.
وننظر إلى الإنسان السوداني باعتباره الثروة الحقيقية للبلاد، ولذلك فإن كل برامج الوزارة تصب في هدف استراتيجي واحد هو بناء مواطن قادر على العمل والإنتاج والمشاركة في إعادة إعمار وطنه واستعادة دوره في التنمية.
هناك قطاع واسع من موظفي الوزارة لم يتمكنوا من الالتحاق بوظائفهم أو التبليغ في المقر المؤقت للوزارة بولاية البحر الأحمر لظروف الحرب والنزوح أو الوجود في مناطق يصعب الخروج منها. ما هو التكييف القانوني والإداري الذي ستعتمده الوزارة مع هؤلاء الموظفين؟
_ يجب النظر إلى هذه القضية في إطار الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. فالحرب أدت إلى نزوح وتشريد ملايين المواطنين، كما أن غالب مؤسسات الدولة لم تتمكن من استدعاء كامل قواها العاملة لأسباب تتعلق بالمقار والإمكانات التشغيلية والموارد المالية.
والحقيقة أن معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية لم تتمكن خلال فترة الحرب من استيعاب أكثر من نسبة محدودة من العاملين، وفي كثير من الحالات لم تتجاوز هذه النسبة 10% من القوى العاملة الفعلية. وبالتالي فإن عدم مباشرة الموظف للعمل لا يعود بالضرورة إلى تقصير منه، وإنما في كثير من الأحيان إلى عدم قدرة الجهة المخدمة نفسها على استدعائه أو استيعابه.
لذلك فإن الوزارة لا تتعامل مع هذه الحالات باعتبارها غيابا عاديا يستوجب تطبيق الجزاءات المنصوص عليها في لوائح الخدمة المدنية، طالما لم يصدر استدعاء فعلي للموظف أو تعذر عليه الوصول بسبب ظروف الحرب والقوة القاهرة.
وموقفنا واضح: كل موظف لم يتم استدعاؤه أو تعذر عليه الالتحاق بسبب ظروف الحرب يظل محتفظا بكامل حقوقه الوظيفية والمالية. أما إذا تم استدعاء الموظف بصورة رسمية وأصبحت الجهة قادرة على استقباله ومباشرة عمله ثم امتنع عن الاستجابة دون مبرر مشروع، ففي هذه الحالة تطبق أحكام ولوائح الخدمة المدنية وفقا للقانون.
تعرضت العديد من مقار الوزارة والمؤسسات التابعة لها لعمليات تخريب واسعة. هل شكلت الوزارة لجانا لحصر الأضرار الهيكلية وتجهيز مقار بديلة أو مؤقتة داخل الخرطوم لضمان بدء العمل فورا؟
ـ نعم، تم تشكيل لجان فنية وإدارية لحصر وتقييم الأضرار التي لحقت بمقار الوزارة ووحداتها المختلفة، بما في ذلك المباني والمعدات والأصول والمستندات.
وأظهرت التقييمات تفاوت حجم الأضرار بين مؤسسة وأخرى، حيث توجد بعض المقار التي يمكن إعادة تشغيلها بعد صيانة محدودة، بينما تعرضت أخرى لتدمير واسع أو نهب كامل لمحتوياتها.
وقد تم بالفعل توفير مقار بديلة ومؤقتة لبعض الوحدات، فيما تستضيف رئاسة الوزارة عددا من الإدارات والمؤسسات لحين استكمال ترتيبات إعادة الانتشار والتشغيل.
وننظر إلى هذه العملية باعتبارها جزءا من مشروع أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على مواجهة الأزمات مستقبلا.
هل فرضت فترة إدارة الوزارة من الولايات التوجه نحو تفعيل الحكومة الإلكترونية؟ وهل ستعتمد الوزارة على أنظمة رقمية وسيرفرات مؤمنة لتسيير العمل وتفادي فقدان الملفات الحيوية مستقبلا؟
ـ بالتأكيد. الحرب أكدت بصورة عملية أهمية التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية باعتبارهما ضرورة وطنية وليسا مجرد خيار إداري.
وقد شرعت الوزارة في مراجعة وتطوير أنظمتها الرقمية والعمل على حماية قواعد البيانات والسجلات الحيوية، خاصة تلك المتعلقة بالحماية الاجتماعية والتأمينات الاجتماعية والسجلات الوظيفية.
كما نعمل بالتنسيق مع الجهات المختصة على تطوير أنظمة إلكترونية أكثر أمنا ومرونة وتوسيع استخدام الحفظ الإلكتروني والنسخ الاحتياطي وقواعد البيانات المؤمنة، بما يضمن استمرارية العمل ويحافظ على المعلومات الوطنية المهمة من الفقدان أو التلف مستقبلا.
وقد أثبتت تجربة إدارة العمل من خارج الخرطوم أهمية تسريع التحول الرقمي باعتباره أحد أهم الدروس المؤسسية التي أفرزتها الحرب.
الخرطوم كانت تضم الثقل الأكبر من دور الرعاية الاجتماعية ومراكز التدريب المهني ومستشفيات التأهيل. ما هي أولويات الوزارة في إعادة تشغيل هذه المنشآت الحيوية؟
_ ستركز الوزارة على المنشآت ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين، وفي مقدمتها دور الرعاية الاجتماعية، ومراكز التدريب المهني، ومراكز التأهيل والأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية، والمؤسسات المرتبطة بالحماية الاجتماعية.
وسيتم ترتيب الأولويات وفقا لحجم الحاجة المجتمعية وعدد المستفيدين وحجم الأضرار والإمكانات المتاحة، مع الاستفادة من الشراكات الوطنية والإقليمية والدولية في عمليات التأهيل وإعادة التشغيل.
كما سنولي اهتماما خاصا لمراكز التدريب المهني باعتبارها ركيزة أساسية في مشروع إعادة بناء الإنسان السوداني وتأهيله للمشاركة في إعادة الإعمار.
وفي نهاية المطاف فإن رؤيتنا للمرحلة المقبلة تقوم على الانتقال من الرعاية إلى التمكين، ومن الإغاثة إلى الإنتاج، ومن إدارة آثار الحرب إلى صناعة فرص التعافي والتنمية المستدامة، بما يعيد للمواطن السوداني قدرته على العمل والإنتاج والمساهمة في بناء وطنه.




