مقالات

المحاكم ليست كافية: تأملات في حدود العدالة بعد الحرب في السودان

مسودة أولية

بقلم/ رفعت مكاوي

مقدمة.. 

على مدى أكثر من ثلاثة عقود من العمل في مجال العون القانوني وحقوق الإنسان في السودان، واجهت مراراً اعتقاداً راسخاً بأن العدالة في مواجهة الانتهاكات الجسيمة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال المحاكمات الجنائية.

وقد برز هذا الاعتقاد بصورة خاصة بعد فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم في يونيو 2019، عندما عملت مع عشرات أسر الضحايا الساعين إلى الحقيقة والمساءلة والاعتراف بما حدث لأحبائهم. كما أصبح هذا الاعتقاد أكثر حضوراً خلال الحرب المستمرة التي اندلعت في أبريل 2023، في ظل بحث الضحايا والناجين والمجتمعات المتأثرة عن إجابات واعتراف وعدالة وسط مستويات غير مسبوقة من العنف والمعاناة.
وفي الحوارات التي أجريتها مع الضحايا وأسرهم، ومع القيادات المجتمعية، ومنظمات المجتمع المدني، والمواطنين العاديين، كان هناك توقع يتكرر باستمرار: أن المحاكم سوف تكشف الحقيقة في نهاية المطاف، وتحاسب المسؤولين، وتنصف الضحايا، وتضع حداً للإفلات من العقاب. وهذا التوقع مفهوم ومشروع؛ فالناس الذين عاشوا العنف والفقدان والنزوح والإذلال يبحثون بطبيعة الحال عما يؤكد لهم أن هذه المعاناة لن تمر دون حساب.
فكرت أكثر من مرة في التعبير عن هذه الآراء بصورة علنية. ففي السودان، ترتبط النقاشات المتعلقة بالمساءلة ارتباطاً وثيقاً بآلام الضحايا وأسرهم. ولذلك قد يُساء فهم أي حديث عن حدود العدالة الجنائية على أنه دعوة للتخلي عن المساءلة، أو تسوية على حساب العدالة، أو تقليل من معاناة من تعرضوا لانتهاكات جسيمة. وقد يرى البعض في ذلك حتى نوعاً من خيانة قضايا الضحايا أو “بيعاً للدم” كما يقال في السودان.
غير أن مصدر هذا القلق هو في الحقيقة عكس ذلك تماماً. فقد أقنعتني سنوات العمل مع الضحايا وأسرهم بأن الصدق معهم هو في حد ذاته شكل من أشكال الاحترام. فالمحامي ليس مطالباً دائماً بأن يقول لموكله ما يرغب في سماعه، بل كثيراً ما يكون مطالباً بأن يقول له ما يحتاج إلى سماعه. إن الوعد بشكل من أشكال العدالة لا تملك أي مؤسسة القدرة الواقعية على تحقيقه قد يمنح شعوراً بالراحة في المدى القصير، لكنه قد يتحول في المستقبل إلى مصدر أعمق للإحباط وخيبة الأمل. والاعتراف بحدود المحاكم لا ينتقص من حقوق الضحايا، بل يسعى إلى حماية هذه الحقوق من أن تصبح رهينة لتوقعات لا تستطيع أي عملية قضائية الوفاء بها بالكامل.
ومع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن المحاكم لم تعد تُنظر إليها باعتبارها مجرد هيئات قضائية. ففي الوعي العام السوداني، وبعد عقود من الحروب في جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، وما رافقها من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وحكم عسكري استبدادي، واتفاقيات سلام جاءت في كثير من الأحيان مقرونة بعفو شامل أو بغياب المساءلة، أصبحت المحاكم ترمز بصورة متزايدة إلى الحقيقة والعدالة، بل وحتى إلى الخلاص. فلم تعد تُرى فقط كهيئات قضائية مهمتها تحديد المسؤولية الجنائية، وإنما كآليات قادرة على تفسير الماضي، وإنصاف الضحايا، واستعادة التوازن الأخلاقي، وتصحيح المظالم التاريخية.
وهذا التصور مفهوم إلى حد كبير. فالسودان ليس بلداً يبحث عن العدالة بعد انتهاك واحد أو حرب واحدة، بل بعد عقود من الحروب والانتهاكات والإفلات من العقاب. ولهذا أصبحت المحاكمات الجنائية بالنسبة لكثير من الضحايا والناجين وأسرهم أكثر من مجرد إجراءات قانونية؛ إذ تحولت إلى رمز للأمل في أن تُسمع أصواتهم، وأن يُعترف بمعاناتهم، وأن يُحاسب أصحاب النفوذ الذين ظلوا لسنوات بمنأى عن المساءلة.
غير أن هذا التصور لم ينشأ من تجارب الضحايا وحدهم، بل ساهمت في تشكيله وإعادة إنتاجه أطراف متعددة. ففي الخطاب السياسي، تتكرر الوعود بالقصاص الكامل، ومحاسبة جميع الجناة، وإنهاء الإفلات من العقاب، وكأن العدالة مسألة إرادة سياسية فحسب. وفي الخطاب الإعلامي، كثيراً ما تُقدَّم المحاكم باعتبارها الطريق الرئيسي، وأحياناً الوحيد، إلى الحقيقة والإنصاف. وحتى في بعض الأوساط الحقوقية والدولية، حظيت المحاكمات الجنائية باهتمام مفهوم ومشروع، لكنه طغى في أحيان كثيرة على نقاشات لا تقل أهمية حول الحقيقة، والذاكرة، ومشاركة الضحايا، وإصلاح المؤسسات، ومعالجة الظروف التي سمحت بوقوع الانتهاكات أصلاً.
وبمرور الوقت، ترسخ افتراض ضمني مفاده أن العدالة تبدأ في قاعة المحكمة وتنتهي فيها، وأن نجاح أي مشروع للعدالة يمكن قياسه بعدد المحاكمات أو الإدانات التي يتم تحقيقها. ومع أن هذا التصور يحمل جاذبية أخلاقية مفهومة، لكنه يخفي أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بطبيعة الحروب والانتهاكات الجماعية، وبالقدرات الفعلية للمؤسسات القضائية، وبالحدود التي يفرضها القانون نفسه على ما تستطيع المحاكم تحقيقه.
ومن هنا يبدأ السؤال الأكثر صعوبة: هل تستطيع المحاكم، مهما بلغت أهميتها، أن تحمل وحدها كل هذه الأعباء؟ وهل تستطيع مؤسسة صُممت أساساً لتحديد المسؤولية الجنائية الفردية أن تستوعب وحدها آثار الحروب والانتهاكات الجماعية وما تتركه من جراح اجتماعية وسياسية وأخلاقية عميقة؟

أولاً: ما الذي يجعل هذا التصور وهماً؟
إن وصف هذا التصور بأنه “وهم” لا يعني أن العدالة الجنائية غير مهمة، ولا يعني أن المحاكم عاجزة أو عديمة القيمة، كما لا ينتقص من مشروعية مطالب الضحايا بالعدالة والمساءلة. فالمحاكم تظل جزءاً أساسياً من أي استجابة جادة للجرائم الجسيمة، لأنها تحدد المسؤولية، وتؤكد وقوع الانتهاك، وتبعث برسالة قانونية وأخلاقية واضحة مفادها أن بعض الأفعال لا يجوز التسامح معها أو تبريرها.
غير أن الوهم يكمن في مكان آخر. فهو لا ينشأ من الإيمان بالعدالة، بل من الاعتقاد بأن المحاكم وحدها قادرة على تحقيق كل ما يبحث عنه السودانيون في العدالة بعد عقود من الحروب والانتهاكات. فعندما لا يقتصر دورها على تحديد المسؤولية الجنائية، بل يمتد ليشمل كشف الحقيقة كاملة، ومحاكمة جميع الجناة، وإنصاف جميع الضحايا، وتفسير الماضي، وإعادة بناء الثقة، واستعادة التماسك الاجتماعي، ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً، فإن التوقعات الموضوعة على عاتقها تبدأ في تجاوز الوظائف التي صُممت أصلاً للقيام بها.
ومن ثم فالمشكلة ليست في أن الضحايا يطالبون بالمساءلة، ولا في أن السودانيين يتطلعون إلى العدالة. وإنما تنشأ المشكلة عندما يُنتظر من مؤسسة واحدة أن تتحمل مسؤوليات تنتمي في حقيقتها إلى عملية أوسع بكثير. فالعدالة بعد الحروب والانتهاكات الجماعية ليست فعلاً واحداً، ولا مؤسسة واحدة، ولا حكماً قضائياً واحداً، بل هي مسار طويل ومعقد يتضمن أسئلة قانونية وسياسية واجتماعية وأخلاقية في آن واحد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في السودان. فالكثير من السودانيين لا يبحثون فقط عن معرفة من ارتكب الانتهاكات أو من يتحمل المسؤولية عنها، بل يبحثون أيضاً عن إجابات لأسئلة أكثر عمقاً وتعقيداً. كيف أصبح هذا العنف بهذا المستوي ممكناً أصلاً؟ ولماذا تكررت الحروب والانتهاكات عبر عقود متعاقبة؟ وكيف تحولت الخلافات السياسية والجهوية والإثنية إلى نزاعات مسلحة واسعة النطاق؟ ولماذا أخفقت الدولة ومؤسساتها مراراً في حماية المدنيين؟ وما الذي ينبغي تغييره حتى لا يجد الجيل القادم نفسه أمام المأساة ذاتها بعد سنوات أو عقود من الآن؟
وفي الوقت نفسه، لا يبحث الضحايا وأسرهم عن العقوبة وحدها. فكثير منهم يبحثون أيضاً عن الاعتراف بما حدث لهم، ومعرفة مصير المفقودين، وسماع الحقيقة، واستعادة الكرامة التي سُلبت منهم، والحصول على ضمانات تحول دون تكرار ما تعرضوا له. وهذه مطالب مشروعة لا تقل أهمية عن المطالبة بالمساءلة الجنائية.
غير أن المحاكم، بحكم طبيعتها ووظيفتها، لا تستطيع الإجابة عن كل هذه الأسئلة أو تلبية كل هذه التطلعات بمفردها. فهي تستطيع أن تحدد المسؤولية الجنائية عندما تتوافر الأدلة الكافية، لكنها لا تستطيع وحدها تفسير كل الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي جعلت العنف ممكناً، ولا معالجة جميع الآثار الإنسانية والاجتماعية التي خلفتها الحروب والانتهاكات الجماعية.
وعندما تُوجَّه كل هذه الأسئلة والتطلعات إلى المحاكم وحدها، يصبح الإحباط أمراً شبه محتوم. ليس لأن المحاكم فشلت في أداء دورها، وإنما لأنها طُلب منها أداء وظائف تتجاوز بكثير حدود ولايتها وقدراتها المؤسسية. ومن هنا لا يكمن الوهم في الإيمان بالعدالة، بل في الفجوة بين ما نأمل أن تحققه المحاكم وما تستطيع تحقيقه فعلاً.
ولفهم أسباب هذه الفجوة، لا بد من العودة إلى سؤال أكثر بساطة: ما الذي صُممت المحاكم أصلاً للقيام به؟

ثانياً: كيف صُممت المحاكم أصلاً؟
لفهم حدود ما تستطيع المحاكم تحقيقه، لا بد أولاً من العودة إلى الوظيفة التي أُنشئت من أجلها. فالمحاكم الجنائية لم تُصمم أصلاً لتفسير الحروب أو معالجة جميع آثارها، وإنما صُممت للفصل في نزاعات محددة وتحديد المسؤولية الجنائية عن أفعال محددة وفق قواعد وإجراءات قانونية محددة.
فعندما تقع جريمة قتل، على سبيل المثال، تتولى النيابة والشرطة جمع الأدلة، والاستماع إلى الشهود، وتحديد المشتبه بهم، ثم تُحال القضية إلى المحكمة لتجيب عن مجموعة من الأسئلة القانونية الأساسية: هل وقعت الجريمة؟ ومن ارتكبها؟ وهل تتوافر الأدلة الكافية لإثبات مسؤوليته؟ وما العقوبة التي يقررها القانون إذا ثبتت الإدانة؟.
ففي السودان اليوم، لا يقتصر البحث على معرفة من قتل أو نهب أو عذب أو اغتصب، بل يمتد إلى أسئلة أكثر اتساعاً: كيف أصبح هذا العنف ممكناً أصلاً؟ ولماذا تكررت الحروب والانتهاكات عبر عقود متعاقبة؟ وكيف تحولت بعض الفئات السكانية إلى أهداف للعنف أو الكراهية؟ وما دور الخطاب السياسي والإعلامي والاجتماعي في تهيئة البيئة التي سمحت بوقوع هذه الجرائم؟ ولماذا أخفقت المؤسسات في حماية المدنيين أو منع الانتهاكات؟
وهذه الأسئلة لا تقل أهمية عن سؤال المسؤولية الجنائية، لكنها تختلف عنه. فالمحكمة قد تستطيع أن تحدد من أصدر أمراً بقتل مدنيين أو من نفذه، لكنها لا تستطيع وحدها تفسير جميع الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي جعلت ذلك ممكناً. وقد تستطيع إدانة شخص أو مجموعة من الأشخاص، لكنها لا تستطيع بمفردها أن تفسر تاريخ الصراع، أو تعالج آثار الكراهية، أو تجيب عن جميع الأسئلة التي يطرحها الضحايا والناجون وأسرهم.
ولهذا فإن الحكم القضائي، مهما بلغت أهميته، يظل جزءاً من الإجابة وليس الإجابة كلها. فهو يحدد المسؤولية القانونية عن أفعال محددة، لكنه لا يقدم بالضرورة تفسيراً كاملاً للمأساة أو لجميع العوامل التي ساهمت في إنتاجها واستمرارها.

ثالثاً: الحقيقة القانونية والحقيقة التي يبحث عنها الناس
عندما يتحدث الناس عن الحقيقة بعد الحروب والانتهاكات الجماعية، فإنهم لا يقصدون دائماً الشيء نفسه. فالحقيقة التي تبحث عنها المحكمة تختلف في طبيعتها عن الحقيقة التي يبحث عنها الضحايا، وعن الحقيقة التي يحاول المجتمع فهمها بعد سنوات من العنف والصراع.
فالحقيقة القانونية هي الحقيقة التي يمكن إثباتها بالأدلة المقبولة قانوناً. وهي تدور حول وقائع محددة وأشخاص محددين وأفعال محددة. ولذلك تسأل المحكمة: ماذا حدث؟ ومن فعله؟ وهل توجد أدلة كافية لإثبات ذلك؟ وإذا لم تتوافر الأدلة المطلوبة، فإن المحكمة لا تستطيع إدانة المتهم مهما كانت الشكوك أو القناعات العامة بشأن مسؤوليته.
غير أن الحروب والانتهاكات الجماعية تطرح أسئلة تتجاوز كثيراً هذا النطاق. فالناس لا يريدون فقط معرفة من ارتكب الجريمة، بل يريدون أيضاً فهم كيف وقعت، ولماذا وقعت، ومن استفاد منها، وكيف أثرت في حياة الضحايا والمجتمعات، وما الذي سمح لها بالاستمرار كل هذه السنوات.
وهنا يبدأ الفرق بين الحقيقة القانونية والحقيقة الأوسع التي يبحث عنها المجتمع. فالمحكمة قد تستطيع أن تثبت أن شخصاً معيناً ارتكب جريمة معينة في زمان ومكان محددين، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تفسر وحدها كيف تراكمت ظروف الحرب والكراهية والانقسام حتى أصبحت تلك الجريمة ممكنة.

رابعاً: ما وراء الجناة: البيئة التي أنتجت العنف
عندما تقع جريمة قتل أو تعذيب أو اغتصاب، يكون من الطبيعي أن ينصرف الاهتمام إلى الشخص الذي ارتكب الفعل أو أمر به. فالمساءلة الجنائية تقوم في جوهرها على تحديد المسؤولية الفردية، وهذا مبدأ أساسي لا غنى عنه في أي نظام قانوني عادل.
غير أن الانتهاكات الجماعية والحروب لا تنشأ عادة من قرارات فردية معزولة. فخلف كل جريمة واسعة النطاق توجد بيئة سياسية واجتماعية وثقافية ساهمت، بدرجات متفاوتة، في جعلها ممكنة أو مقبولة أو قابلة للتكرار. ولذلك فإن التركيز على الجناة وحدهم، رغم أهميته، لا يكفي دائماً لفهم كيف وصلت المجتمعات إلى هذا المستوى من العنف.
وفي السودان، لم تبدأ الحرب بأطلاق الرصاص وحده. فقد سبقتها سنوات طويلة من التهميش والتمييز والاستقطاب، والتحريض، والتخويف، وتبادل الاتهامات، وتصوير الخصوم باعتبارهم تهديداً وجودياً لا يمكن التعايش معه. ومع تصاعد الصراع، ظهرت أشكال مختلفة من خطاب الكراهية والتجريد من الإنسانية، وأصبح من الممكن في بعض الأحيان السخرية من الضحايا أو النازحين أو تبرير معاناتهم على أساس انتماءاتهم السياسية أو الجهوية أو الإثنية.
وهنا تظهر إحدى أهم حدود العدالة الجنائية. فالمحكمة تستطيع أن تحاكم شخصاً أطلق النار أو أصدر أمراً بالقتل إذا توفرت الأدلة الكافية، لكنها لا تستطيع وحدها محاكمة الثقافة التي جعلت إطلاق النار ممكناً أو مقبولاً. ولا تستطيع وحدها أن تفسر كيف تحولت فئات كاملة من السكان إلى أهداف للعنف أو الكراهية، أو كيف أصبحت الإهانة والتجريد من الإنسانية جزءاً من الخطاب العام.
وهذا لا يعني أن هذه الظواهر تقع خارج نطاق المساءلة الأخلاقية أو الاجتماعية، بل يعني فقط أن فهمها ومعالجتها يتطلبان أدوات تتجاوز المحكمة. فبعض أسباب العنف تُكتشف في ملفات القضايا، لكن بعضها الآخر يكمن في الخطابات والسرديات والممارسات الاجتماعية التي لا تظهر دائماً في الأحكام القضائية.
ولهذا فإن الاقتصار على سؤال: “من ارتكب الجريمة؟” قد يكشف جانباً مهماً من الحقيقة، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال لا يقل أهمية: “كيف أصبح ارتكاب هذه الجريمة ممكناً أصلاً؟”

خامساً: القصاص وحده لا يرمم الكارثة
إذا افترضنا، على سبيل الجدل، أن المحاكم استطاعت الوصول إلى المسؤولين عن الجرائم، ومحاكمتهم بصورة عادلة، وإدانتهم، وفرض العقوبات المناسبة عليهم، فهل يكفي ذلك وحده لتحقيق الإنصاف الكامل بعد الكارثة؟
لا شك أن الأحكام القضائية تظل ذات أهمية كبيرة بالنسبة لكثير من الضحايا وأسرهم. فهي تحمل اعترافاً قانونياً وأخلاقياً بأن ما حدث كان جريمة، وأن معاناة الضحايا ليست أمراً يمكن تجاهله أو إنكاره. كما أن رؤية المسؤولين عن الانتهاكات وهم يخضعون للمحاسبة قد تمنح شعوراً مشروعاً بالإنصاف، خاصة في بلد عاش طويلاً تحت وطأة الإفلات من العقاب.
غير أن السؤال الأصعب يبدأ بعد صدور الحكم، لا قبله. فالعقوبة، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع بمفردها إصلاح كل ما حطمته الحرب. فهي لا تعيد الموتى إلى الحياة، ولا تعيد للأطفال آباءهم وأمهاتهم، ولا تمحو آثار التعذيب أو الاغتصاب أو النزوح أو اللجوء، ولا تستعيد السنوات التي ضاعت من حياة الضحايا وهم يعيشون الخوف والفقدان وعدم اليقين.
كما أن كثيراً من الأضرار التي تخلفها الحروب لا تقع على الأفراد وحدهم، بل تصيب المجتمع بأسره. فالحرب لم تقتل الناس فقط، بل اضعفت الثقة بين الجيران، ومزقت الروابط الاجتماعية، وعمقت مشاعر الخوف والشك والكراهية، وتركت وراءها ذكريات متنازعة وصدمات قد تستمر لأجيال. وهذه كلها أضرار حقيقية، لكنها لا تختفي تلقائياً بمجرد صدور حكم بالإدانة.
وفوق ذلك، فإن الضحايا أنفسهم ليسوا كتلة واحدة تحمل التوقعات ذاتها. فبعضهم يبحث عن العقوبة، وبعضهم يريد معرفة الحقيقة، ، بينما يسعى آخرون إلى الاعتراف بما حدث لهم أو إلى ضمان ألا يتكرر ما حدث لأبنائهم وأحفادهم. ولهذا فإن العدالة لا يمكن اختزالها في استجابة واحدة أو أداة واحدة مهما بلغت أهميتها.
وفي السودان، تكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة بسبب حجم المأساة واتساعها. فالحرب لم تخلّف جرائم تحتاج إلى أحكام قضائية فحسب، بل خلّفت أيضاً ملايين النازحين واللاجئين، وآلاف الأسر التي لا تعرف مصير أحبائها، وأعداداً كبيرة من ضحايا العنف الجنسي الذين لم يتمكن كثير منهم حتى من الحديث عما تعرضوا له. كما خلّفت جروحاً عميقة في المجتمع نفسه، لا يمكن للمحاكم وحدها أن تعالجها.
ولهذا فإن القصاص يظل جزءاً ضرورياً من العدالة، لكنه لا يرمم الكارثة بمفرده. فالعقوبة قد تحاسب الجاني، لكنها لا تعالج تلقائياً كل ما خلفته الحرب من فقدان وألم وخوف وانكسار. وكلما كانت المأساة أكبر، أصبح من الواضح أن العدالة تحتاج إلى أكثر من الأحكام القضائية وحدها.
فالقصاص قد يكون بداية مهمة في طريق الإنصاف، لكنه ليس نهاية الطريق.

سادساً: لماذا يتمسك الناس بوهم العدالة عبر المحاكم وحدها؟
إذا كانت حدود المحاكم معروفة إلى هذا الحد، فلماذا يظل كثير من الناس متعلقين بفكرة أن المحاكم وحدها قادرة على تحقيق العدالة الكاملة؟
لا يعود ذلك بالضرورة إلى سوء فهم القانون أو إلى المبالغة في تقدير قدرات المحاكم، بل إلى حاجة إنسانية عميقة تظهر عادة بعد الحروب والكوارث الجماعية. فالحروب لا تدمر المدن والمؤسسات والأجساد فقط، بل تدمر أيضاً إحساس الناس بالنظام والمعنى والثقة في العالم من حولهم. وهي تترك وراءها شعوراً مؤلماً بأن ما حدث كان أكبر من أن يُستوعب، وأكثر ظلماً من أن يُحتمل.
وفي مثل هذه اللحظات، يبحث الناس عن شيء يعيد التوازن الأخلاقي الذي اختل، وعن رمز يؤكد أن الجريمة لم تنتصر، وأن معاناة الضحايا لم تذهب سدى. وهنا تظهر المحكمة، في الوعي العام، ليس فقط كمؤسسة قانونية، بل كرمز للحقيقة والنظام والإنصاف. فوجود شخص متهم أمام قاضٍ، وخضوعه لإجراءات قانونية علنية، وصدور حكم بحقه، كلها أمور تمنح إحساساً بأن العالم بدأ يستعيد شيئاً من توازنه المفقود.
ويتعزز هذا التعلق أيضاً بفعل الخطاب السياسي والإعلامي والحقوقي. فمع كل انتهاك كبير، تتكرر الوعود بالقصاص الكامل، ومحاسبة جميع الجناة، وكشف الحقيقة كاملة. ومع مرور الوقت، يتشكل انطباع بأن المحكمة قادرة على تحقيق كل ما يتطلع إليه الضحايا والمجتمع، وأن العدالة تبدأ في قاعة المحكمة وتنتهي فيها.
غير أن المشكلة لا تبدأ مع الأمل في العدالة، بل عندما تتحول المحكمة من أداة ضرورية للعدالة إلى وعد بالخلاص الكامل. فعندها لا يُنتظر منها فقط أن تعاقب الجناة، بل أن تفسر التاريخ، وتعيد الثقة، وتوحد المجتمع، وتداوي الجراح، وتمنع تكرار الكارثة. وهنا يصبح العبء الموضوع على المحاكم أكبر بكثير من قدرتها الحقيقية، ويتحول الأمل المشروع في العدالة إلى توقعات مطلقة يصعب تحقيقها، خصوصاً في سياق حرب مستمرة ومعقدة مثل السودان.
ومن هنا، فإن فهم التعلق الشعبي بالمحاكم لا يقود إلى السخرية منه أو التقليل من شأنه، بل إلى إدراك جذوره الإنسانية والأخلاقية العميقة. فالمشكلة ليست في أن الناس يريدون العدالة أكثر مما ينبغي، بل في أنهم يطلبون من مؤسسة واحدة أن تحمل وحدها كل ما خلفته الحرب من آلام وأسئلة وآمال.

سابعاً: خطر تحويل العدالة إلى وعد مستحيل
في السودان، لا يعيش الضحايا فقط مع آثار الحرب والانتهاكات، بل يعيشون أيضاً مع الوعود التي تُقال لهم عن العدالة. فمع كل مجزرة أو انتهاك جديد، يتكرر الحديث عن القصاص الكامل، ومحاسبة الجميع، وكشف الحقيقة كاملة، وإنهاء الإفلات من العقاب بصورة نهائية. وتبدو هذه الوعود مفهومة بل وضرورية أخلاقياً في لحظات الغضب والحزن، لأنها تمنح الضحايا شعوراً بأن المجتمع لم ينسَ معاناتهم، وأن حقوقهم ما زالت محل اهتمام واعتراف.
غير أن هذه اللغة تحمل خطراً لا يقل أهمية عن خطر الإفلات من العقاب نفسه. فحين تُقدَّم العدالة بوصفها وعداً مطلقاً بمحاكمة جميع الجناة، وكشف كل الحقيقة، وإنصاف جميع الضحايا، ترتفع التوقعات إلى مستوى قد لا تستطيع أي مؤسسة تحقيقه، مهما بلغت استقلاليتها أو كفاءتها.
وتزداد هذه الفجوة وضوحاً في سياق مثل السودان، حيث ما تزال الحرب مستمرة، وحيث تعاني مؤسسات الدولة نفسها من آثار النزاع، وحيث يظل عدد الضحايا والانتهاكات أكبر بكثير من قدرة أي منظومة قضائية على التعامل معه بصورة كاملة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح خطر الإحباط كبيراً عندما يكتشف الناس أن الواقع أكثر تعقيداً من الوعود التي سمعوها.
ولا تكمن المشكلة فقط في أن بعض الجناة قد لا يُحاكمون، أو أن بعض الجرائم قد لا تصل إلى المحكمة، بل أيضاً في أن كثيراً من الأسئلة التي يحملها الضحايا لن تجد إجابات كاملة داخل المسار القضائي وحده. وعندما تُختزل العدالة كلها في المحكمة، فإن أي قصور أو تأخير أو عجز في هذا المسار قد يُفسَّر على أنه فشل للعدالة نفسها.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة. فالمبالغة في الوعود باسم العدالة قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض الثقة فيها. فكلما ارتفع سقف التوقعات إلى مستوى يستحيل تحقيقه، ازدادت احتمالات الشعور بخيبة الأمل عندما يصطدم الناس بالقيود القانونية والمؤسسية والعملية التي تحكم عمل المحاكم.
ولهذا فإن الصدق مع الضحايا لا يقتضي فقط الدفاع عن حقهم في العدالة، بل يقتضي أيضاً تجنب تقديم وعود لا تستطيع أي مؤسسة الوفاء بها بالكامل. فالأمل الواقعي، مهما بدا أقل جاذبية من الوعود المطلقة، يظل أكثر احتراماً للضحايا من خلق توقعات يستحيل تحقيقها.
إن العدالة تحتاج إلى الأمل، لكنها تحتاج أيضاً إلى الصدق. وعندما يتحول الأمل إلى وعد مستحيل، يصبح خطر الإحباط وفقدان الثقة جزءاً من المشكلة التي كان يفترض بالعدالة أن تعالجها.

ثامناً: ما الذي يبحث عنه الضحايا ولا تستطيع المحاكم تقديمه وحدها؟
غالباً ما يُفترض أن ما يريده الضحايا بعد الانتهاكات الجسيمة هو رؤية الجناة وهم يُحاكمون ويُعاقبون. ولا شك أن العقوبة تمثل مطلباً مهماً لكثير من الضحايا وأسرهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم ارتُكبت بقدر كبير من القسوة أو الإفلات من العقاب. غير أن اختزال احتياجات الضحايا في العقوبة وحدها لا يعكس دائماً تعقيد التجربة الإنسانية التي يعيشونها.
فكثير من الضحايا لا يسألون فقط: هل سيُعاقب الجاني؟ بل يسألون أيضاً: هل سيُعترف بما حدث لنا؟ هل سيُصدق الناس روايتنا؟
وتكتسب مسألة الاعتراف أهمية خاصة في السودان بسبب انتشار ثقافة الإنكار التي صاحبت هذه الحرب. فمع كل اتهام بارتكاب مجزرة أو تعذيب أو عنف جنسي أو تهجير قسري، سارع كثير من المتورطين أو المؤيدين لهم إلى إنكار الوقائع أو التشكيك فيها أو التقليل من شأنها أو إلقاء اللوم على الضحايا أنفسهم. ولا يقتصر أثر هذا الإنكار على تعطيل الوصول إلى الحقيقة، بل يضيف طبقة جديدة من الألم إلى معاناة الضحايا. فالشخص الذي تعرض لانتهاك جسيم قد يجد نفسه مضطراً ليس فقط للتعايش مع ما حدث له، بل أيضاً للدفاع عن حقيقة حدوثه أمام من ينكرونه أو يشككون فيه
ولهذا السبب، فإن الاعتراف بالحقيقة لا يُعد مجرد خطوة إجرائية في طريق العدالة، بل هو في حد ذاته شكل من أشكال الإنصاف. فالاعتراف يتطلب شجاعة أخلاقية من الجناة أو من المجتمعات التي دعمتهم أو سكتت عن أفعالهم، لأنه يعني مواجهة الوقائع كما حدثت لا كما نرغب في تذكرها. أما الإنكار، فهو غالباً محاولة للهروب من هذه المواجهة. ولهذا فإن الاعتراف، مهما كان مؤلماً، يفتح الباب أمام الحقيقة والمساءلة والتعافي، بينما يطيل الإنكار عمر الجرح ويؤخر إمكانية معالجته.

وفي السودان، تبدو هذه الأسئلة حاضرة بقوة في ظل الحرب الحالية. فآلاف الأسر لا تزال تجهل مصير أقاربها، وآلاف الضحايا لم تتح لهم فرصة رواية ما تعرضوا له، كما أن كثيراً من الانتهاكات وقعت في ظروف تجعل توثيقها أو إثباتها أمام المحاكم أمراً بالغ الصعوبة.
وينطبق ذلك بصورة خاصة على ضحايا العنف الجنسي. فآلاف النساء والفتيات لم يتمكنّ حتى اليوم من فتح أفواههن للحديث عما تعرضن له. وبعضهن لم يستطعن إخبار أسرهن أو أقرب الناس إليهن بما حدث. فهناك جرائم لا تُخفى عن المحكمة فحسب، بل تُدفن أحياناً في أعماق الضحايا أنفسهم، حيث يمنع الخوف أو الصدمة أو الوصمة الاجتماعية أو الخشية من الانتقام خروجها إلى العلن. وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الواضح أن ما يصل إلى المحكمة قد لا يمثل إلا جزءاً من الحقيقة الكاملة.
كما أن الضحايا لا يبحثون فقط عن العدالة المتعلقة بالماضي، بل يتطلعون أيضاً إلى المستقبل. فهم يريدون أن يعرفوا ما إذا كانت الانتهاكات ستتكرر، وما إذا كانت المؤسسات التي أخفقت في حمايتهم ستتغير، وما إذا كانت الأجيال القادمة ستعيش المصير نفسه. وهذه تطلعات مشروعة، لكنها تتجاوز في كثير من الأحيان ما تستطيع المحاكم تحقيقه من خلال أحكامها القضائية.
ولهذا فإن نجاح المحاكمة لا يعني بالضرورة أن جميع احتياجات الضحايا قد لُبِّيت. فقد يُدان بعض الجناة بينما يبقى مصير المفقودين مجهولاً. وقد تصدر أحكام قضائية مهمة بينما تظل روايات كثيرة غير مسموعة. وقد تتحقق مساءلة جنائية جزئية دون أن يشعر الضحايا بأن معاناتهم قد فُهمت أو أُخذت على محمل الجد بالصورة التي كانوا يأملونها.
ولا ينتقص ذلك من أهمية المحاكم، بل يوضح فقط أن احتياجات الضحايا غالباً ما تكون أوسع من أن تُختزل في حكم قضائي. فالعدالة التي يبحث عنها الناس بعد الحروب والانتهاكات الجماعية لا تتعلق بالعقوبة وحدها، بل تتعلق أيضاً بالحقيقة، والاعتراف، والكرامة، والذاكرة، وضمان عدم التكرار.

تاسعا: العدالة الجنائية لا تتحرك بسرعة الحرب ولا بسرعة معاناة الضحايا
من أكثر مصادر الإحباط شيوعاً لدى الضحايا الاعتقاد بأن العدالة يجب أن تصل بالسرعة نفسها التي وقعت بها الجريمة. فالحرب قد تدمر مدينة في أيام، وقد تقتل أو تُهجّر آلاف الأشخاص في أسابيع، وقد تغيّر حياة الضحايا إلى الأبد في لحظات قليلة. أما العدالة الجنائية فتتحرك وفق إيقاع مختلف تماماً.
فالتحقيق في الجرائم الجسيمة لا يبدأ بإصدار الأحكام، وإنما بجمع الأدلة، والاستماع إلى الشهود، والتحقق من الوقائع، ومراجعة الوثائق، واختبار مصداقية الروايات المختلفة، وضمان حقوق المتهمين والضحايا في الوقت نفسه. وكلما كانت الجريمة أكثر تعقيداً، ازدادت الحاجة إلى الوقت والموارد والخبرات اللازمة للتعامل معها.
ولإدراك حجم التحدي، يكفي أن نتأمل مسار قضية قتل عمد عادية أمام المحاكم السودانية. ففي الظروف الطبيعية، قد تستغرق القضية أشهراً طويلة، وأحياناً سنوات، بين التحري، وجمع الأدلة، وسماع الشهود، والمحاكمة، والاستئناف. وقد يحدث ذلك رغم أن الضحية معروفة، ومكان الجريمة معروف، والمتهم محدد، وعدد الوقائع محل النزاع محدود نسبياً.
فإذا كانت العدالة تحتاج إلى كل هذا الوقت للتعامل مع جريمة واحدة، فكيف يمكن توقع أن تتعامل بالسرعة نفسها مع آلاف الجرائم والانتهاكات التي خلفتها الحرب، خاصة عندما يكون الضحايا مشتتين، والشهود نازحين، والأدلة مفقودة أو متنازعاً عليها، وبعض مسارح الجرائم نفسها خارج نطاق الوصول؟
وفي السودان، تتضاعف هذه التحديات بسبب الحرب نفسها. فالحرب لا تُنتج الضحايا فحسب، بل تُضعف أيضاً المؤسسات التي يُفترض أن تحقق العدالة لهم. فقد تعطلت بعض المحاكم والنيابات وأقسام الشرطة، وفُقدت أو دُمِّرت سجلات ووثائق مهمة، ونزح أو هاجر قضاة ووكلاء نيابة ومحامون وشهود، وأصبحت مناطق واسعة غير متاحة للوصول المنتظم أو جمع الأدلة.
وهنا تظهر فجوة أخرى بين التوقعات والواقع. فالضحايا يعيشون آثار الانتهاكات كل يوم، بينما تتحرك المحاكم وفق إجراءات قد تستغرق سنوات طويلة. وقد يُفسَّر هذا البطء أحياناً على أنه تجاهل أو تقاعس، بينما يكون جزء منه ناتجاً عن طبيعة العدالة الجنائية نفسها، التي تقوم على التحقق والتدقيق أكثر مما تقوم على السرعة.
ولا يعني ذلك أن البطء مقبول دائماً أو أن الأنظمة القضائية معفاة من النقد. فالتأخير المفرط قد يتحول هو نفسه إلى شكل من أشكال الظلم. غير أن المشكلة تكمن في الاعتقاد بأن المحاكم تستطيع أن تستجيب لحجم المأساة وسرعة وقوعها بالوتيرة نفسها. فالحروب تنتج الضحايا بسرعة هائلة، أما العدالة الجنائية فتتحرك بخطوات أبطأ بكثير.
ولهذا فإن جزءاً من الإحباط الذي يرافق مسارات المساءلة لا يعود فقط إلى غياب العدالة، بل إلى الفجوة الزمنية بين سرعة وقوع الانتهاكات وسرعة استجابة المؤسسات القضائية لها.

عاشرا: هل يمكن محاكمة الجميع؟
بعد الحروب والانتهاكات الجماعية، يبدو مطلب محاكمة جميع الجناة مطلباً طبيعياً ومشروعاً. فمن الصعب أن يتقبل الضحايا أو أسرهم فكرة أن بعض المسؤولين عن الجرائم قد لا يمثلون أمام المحكمة. كما أن الدعوة إلى محاسبة الجميع تعكس رفضاً أخلاقياً للإفلات من العقاب، وتمسكاً بمبدأ المساواة أمام القانون.
غير أن المشكلة لا تكمن في مشروعية هذا المطلب، بل في القدرة العملية على تحقيقه. فالحروب لا تنتج عدداً محدوداً من الجرائم أو الجناة، وإنما تنتج أعداداً هائلة من الوقائع والضحايا والشهود والمشتبه بهم، تمتد عبر مناطق جغرافية واسعة وخلال فترات زمنية طويلة.
وفي السودان، لا نتحدث عن حادثة واحدة أو مجموعة محدودة من القضايا، بل عن حرب امتدت عبر ولايات متعددة وخلفت أعداداً كبيرة من الضحايا. كما أن كثيراً من الانتهاكات ارتُكبت في أماكن يصعب الوصول إليها، أو في ظروف تجعل التحقق منها وجمع الأدلة المتعلقة بها عملية معقدة للغاية.
وإذا كانت قضية قتل عمد واحدة قد تستغرق أشهراً أو سنوات بين التحري والمحاكمة والاستئناف، رغم معرفة الضحية ومكان الجريمة والمشتبه به، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن التعامل مع آلاف أو عشرات الآلاف من الوقائع المشابهة أو الأكثر تعقيداً؟
ولا يتعلق الأمر بعدد القضايا وحده، بل بطبيعة الانتهاكات نفسها. فبعض الجرائم ارتُكبت بصورة جماعية، وبعضها وقع في سياق عمليات عسكرية واسعة النطاق، وبعضها الآخر يمتد أثره إلى مناطق متعددة وعدد كبير من الضحايا والجناة المحتملين. وكل ذلك يجعل التحقيق والمحاكمة أكثر تعقيداً مما هو عليه في القضايا الجنائية العادية.
ولهذا السبب، لم تعرف أي تجربة في العالم استطاعت محاكمة جميع المسؤولين عن الانتهاكات الجماعية. ففي كل التجارب تقريباً، اضطرت المؤسسات القضائية إلى التركيز على بعض القضايا أو بعض المسؤولين أو بعض أنماط الجرائم التي تمثل أكبر قدر من الخطورة أو المسؤولية.
ولا يعني ذلك التخلي عن العدالة أو القبول بالإفلات من العقاب، بل يعني الاعتراف بواقع لا يمكن تجاهله. فالمحاكم تستطيع محاسبة بعض الجناة، لكنها لا تستطيع عملياً محاكمة الجميع. وهي تستطيع أن تكشف جزءاً من الحقيقة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحتوي الحجم الكامل للمأساة.
ومن هنا لا يصبح السؤال: كيف نحاكم الجميع؟ بل كيف نحقق أكبر قدر ممكن من العدالة في مواجهة عدد هائل من الانتهاكات يفوق قدرة أي نظام قضائي على التعامل معه بصورة كاملة؟

ماذا يعني ذلك بالنسبة للسودان الان ؟
إذا كان ثمة درس يمكن استخلاصه من كل ما سبق، فهو أن السودان يحتاج إلى توسيع فهمه للعدالة، لا إلى التخلي عنها. فالمشكلة ليست في أن الناس يطالبون بالكثير من العدالة، بل في أن العدالة كثيراً ما تُختزل في أداة واحدة، ويُطلب من هذه الأداة أن تحقق ما لا تستطيع تحقيقه بمفردها.
فالمحاكم تظل ضرورية، ليس فقط لأنها تحاسب بعض الجناة، بل لأنها تؤكد مبدأ مهماً مفاده أن الجرائم الجسيمة لا ينبغي أن تمر دون مساءلة. غير أن ما تكشفه التجارب المختلفة، وما تشير إليه أيضاً التجربة السودانية، هو أن المحاكم وحدها لا تستطيع حمل جميع الأعباء التي تتركها الحروب والانتهاكات الجماعية.
فإذا كانت المحاكم قادرة على تحديد المسؤولية الجنائية، فإن هناك أسئلة أخرى تحتاج إلى أدوات مختلفة. وإذا كانت قادرة على إدانة بعض الجناة، فإن هناك ضحايا يحتاجون إلى أكثر من الإدانة. وإذا كانت قادرة على إصدار الأحكام، فإن هناك مجتمعات بأكملها تحتاج إلى فهم ما حدث لها وكيف حدث ولماذا حدث.؛ ولهذا فإن السودان يحتاج إلى معرفة الحقيقة بقدر حاجته إلى العقوبة، وإلى الاعتراف بالضحايا بقدر حاجته إلى إدانة الجناة، وإلى فهم أسباب العنف بقدر حاجته إلى تحديد المسؤولين عنه. كما يحتاج إلى الكشف عن مصير المفقودين، وتوثيق ما جرى، وحفظ الذاكرة الجماعية، والاستماع إلى الأصوات التي لم تجد طريقها إلى ملفات القضايا أو قاعات المحاكم.
ويحتاج السودان كذلك إلى مواجهة الأسئلة الصعبة التي لا تستطيع المحاكم الإجابة عنها وحدها: لماذا حدثت تلك الكارثة؟ وكيف انتشر خطاب الكراهية؟ وكيف أصبح التجريد من الإنسانية أمراً مقبولاً في بعض السياقات؟ ولماذا أخفقت المؤسسات في حماية المدنيين؟ وما الذي ينبغي تغييره حتى لا تتكرر هذه المأساة مرة أخرى؟ وغيرها من عشرات الاسئلة الصعبة.
كما أن الحرب لم تخلّف ضحايا فحسب، بل خلّفت أيضاً جروحاً عميقة في العلاقات الاجتماعية، أحياناً حتى بين الجيران وأفراد المجتمع الواحد، وخلّفت ذكريات متنازعة ومشاعر خوف وغضب وفقدان وانعدام ثقة لا يمكن معالجتها جميعاً داخل قاعة المحكمة.
ويحتاج السودان كذلك إلى قدر من التواضع في الحديث عن العدالة. فليس من الصدق أن نعد الضحايا بأن جميع الجناة سيُحاكمون، أو أن كل الحقيقة ستنكشف، أو أن كل الجراح ستلتئم من خلال المحاكم وحدها. لكن ليس من الصدق أيضاً أن نقبل بالإفلات من العقاب أو أن نتعامل مع الجرائم وكأنها مجرد صفحة يمكن طيها.
وما بين هذين الطرفين تكمن المهمة الأصعب: البحث عن أكبر قدر ممكن من الحقيقة، وأكبر قدر ممكن من المساءلة، وأكبر قدر ممكن من الإنصاف، مع الاعتراف في الوقت نفسه بحدود ما تستطيع أي مؤسسة تحقيقه بعد كارثة بهذا الحجم.
ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في الإيمان بالمحاكم، بل في الاعتقاد بأنها تستطيع وحدها أن تحمل كل ما خلفته الحرب من آلام وأسئلة وآمال. فكلما اتسعت المأساة، ازدادت الحاجة إلى استجابة أوسع من أن تحتويها مؤسسة واحدة أو مسار واحد.
إن المحاكم جزء من الإجابة، لكنها ليست الإجابة كلها. والعدالة في السودان، إذا أُريد لها أن تكون أكثر صدقاً وأكثر قدرة على الاستمرار، ينبغي أن تبدأ من هذه الحقيقة لا أن تنتهي إليها.
فالعدالة في نهاية المطاف ليست فقط مسألة عقوبة ومسؤولية جنائية، بل هي أيضاً مسألة كرامة إنسانية واعتراف بالضحايا وحماية لذاكرتهم من النسيان أو الإنكار. فالعدالة لا تُقاس فقط بما يحدث للجناة، بل أيضاً بما يحدث للضحايا.

رفعت مكاوي
٣١ مايو ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى