مقالات

من جنيف إلى الخرطوم.. السودان يخط ميثاقا جديدا في كتاب الإعمار

محمد بابكر:

​بينما كانت أروقة مؤتمر العمل الدولي في جنيف تعج بالوفود كان هناك صوت سوداني مختلف يتردد في القاعات المغلقة كان صوتا يخطط بوضوح لهندسة (ما بعد الأزمة) .
حمل وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الأستاذ معتصم أحمد صالح، حقيبة مليئة بالطموحات في مهمة كانت تستهدف جلب المساعدات و إعادة صياغة الهوية المهنية للسودان وتحويل الانقاض إلى فرص للنهوض.
​​بدأت الرحلة من (البوابة الأخوية) حيث جمع لقاءٌ دافئ ومثمر الوزير السوداني بنظيره القطري، كانت جلسة عصف ذهني بين شقيقين يدركان أن استقرار سوق العمل هو صمام الأمان لأي مجتمع.
تلك المبادرات القطرية التي وُضعت على الطاولة والتي ستفتح للسودان نوافذ جديدة لتبادل الخبرات التشريعية وتُذيب الجليد أمام تحديات تنظيم العمالة لتكون الدوحة بذلك الشريك الأول في هندسة استقرار القوى العاملة السودانية.
​ومن الدوحة إلى صياغة (التمكين التقني)
​لم تكن خطى الوزير في جنيف تتوقف فمن العمق العربي انتقل مباشرة إلى (مختبرات المستقبل) مع الجانب التركي.
في نقاشه مع البروفيسور وداد إشيق هان لم يكن الهدف مجرد ترميم مراكز التدريب بل (إعادة ابتكارها) .
تحول مركز (الكدرو) في حديثهما إلى أيقونة وطنية للنهوض التقني وتطورت المباحثات لتصبح خارطة طريق شاملة من هيكلة الخدمة المدنية إلى ربط سوق العمل بنظم معلومات ذكية.
لقد اتفق الطرفان على أن القادم (برامج تنفيذية) ستغير وجه الإدارة السودانية.
​​وفي محطة كانت الأكثر طموحا دخل الوزير في عوالم الدقة اليابانية مع السيد شينيتشي أكياما. هنا لم يكن الحديث عن التدريب فحسب بل عن (ثقافة الإنتاج) . وبدلا من استيراد الخبرة فقط اتفق الجانبان على إرسال بعثة فنية سودانية إلى طوكيو لتكون بمثابة (جسر معرفي) ينقل أسرار الرقمية والجودة اليابانية إلى داخل المؤسسات السودانية.
لقد أراد الوزير معتصم أن يثبت للعالم أن السودان لا يريد أن يكون تابعا بل شريكا يمتلك أدوات العصر.
​​لم يكتمل المشهد إلا عندما وضع الوزير ملف (النازحين) على طاولة المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة السيدة إيمي بوب. بأسلوب حاسم نقل الوزير القضية من (خيمة الإغاثة) إلى (مشروع الحياة) .
العودة الطوعية ليست رحلة عودة بل هي عملية تنموية شاملة. ومن خلال اتفاقهما على تشكيل بعثة فنية مشتركة بات الهدف واضحا تحويل الدعم الدولي إلى أدوات لسبل كسب العيش ليعود السوداني إلى أرضه لا كلاجئ إنما كمنتج فاعل في دورتها الاقتصادية.
​​إن ما حدث في جنيف خلال الأيام الفائته من لقاءات متباعدة هو خيوط في ثوب واحد ينسجه الوزير معتصم أحمد صالح بإتقان. وهو نهجٌ يبدأ من (عمق الأشقاء) ويمر بـخبرة المتقدمين وينتهي بـ (كرامة المواطن) في دياره.
​السودان اليوم عبر هذه التحركات لا يطلب التعاطف بل يطلب الشراكة في صناعة المستقبل.
دبلوماسية لا تكتفي بوضع الحبر على الورق وإنما تغرس بذورا لمؤسسات قوية ومهارات صلبة وإنسان سوداني قادر على بناء وطنه من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى