مقالات

حين يطرق اللاجئ أبواب الأخوة.. السودان وليبيا بين السيادة والإنسانية

د. حسن عبدالرحيم أبوعجاج: 

في أوقات الأزمات الكبرى والحروب لا يغادر الإنسان وطنه طوعاً إلا مضطراً ولا يترك أرضه وأهله وذكرياته إلا عندما تصبح الحياة نفسها مهددة بالخطر. فالوطن ليس مجرد مكان للسكن بل هو هوية وانتماء وذاكرة وتاريخ ولذلك فإن قرار الهجرة أو اللجوء يعد من أصعب القرارات التي يمكن أن يتخذها الإنسان في حياته.

وعندما نسترجع التاريخ الإسلامي نجد أن الصحابة رضوان الله عليهم اضطروا إلى الهجرة من مكة المكرمة إلى الحبشة هرباً من الظلم والاضطهاد.
ولم تكن هجرتهم بحثاً عن رفاهية أو مكاسب مادية وإنما كانت سعياً وراء الأمن وحفظاً للكرامة الإنسانية.
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الحبشة بأنها أرض يحكمها “ملك لا يُظلم عنده أحد” في إشارة عظيمة إلى قيمة العدل والإنصاف في التعامل مع المستضعفين والباحثين عن الأمان.

واليوم يعيش السودانيون واحدة من أصعب المحن في تاريخهم الحديث.
فالحرب التي اندلعت داخل السودان أجبرت الملايين على النزوح من مدنهم وقراهم ودفعت أعداداً كبيرة إلى عبور الحدود نحو الدول المجاورة بحثاً عن الأمن والاستقرار.
ولم يكن ذلك خياراً سهلاً أو رغبة في حياة جديدة خارج الوطن بل كان استجابة لظروف قاسية فرضتها الحرب وانعدام الأمن وتوقف سبل الحياة الطبيعية.

ومن بين الدول التي قصدها السودانيون كانت ليبيا الشقيقة التي تربطها بالسودان علاقات تاريخية واجتماعية وثقافية ممتدة عبر عقود طويلة.
وقد نظر كثير من السودانيين إلى ليبيا باعتبارها بلداً شقيقاً وجاراً قريباً يمكن أن يجدوا فيه ملاذاً مؤقتاً حتى تنتهي الأزمة ويعودوا إلى وطنهم.

وفي الوقت نفسه فإن من حق ليبيا الكامل والمشروع أن تحافظ على أمنها الوطني واستقرارها وسيادتها على أراضيها وحدودها.
فحماية الأمن مسؤولية أساسية تقع على عاتق أي دولة ومن الطبيعي أن تسعى الحكومات إلى تنظيم حركة الدخول والإقامة بما يحقق مصالح شعوبها ويحفظ استقرار مجتمعاتها.

غير أن هذا الحق المشروع لا يتعارض مع المبادئ الإنسانية التي تدعو إلى معاملة اللاجئين والنازحين باحترام وكرامة. فالسيادة والإنسانية ليستا مفهومين متناقضين بل يمكن أن يتكاملا في إطار القانون والعدالة. فالدولة تستطيع أن تحمي حدودها وفي الوقت نفسه تحافظ على كرامة الإنسان وتصون حقوقه الأساسية.

إن من بين السودانيين الموجودين في ليبيا اليوم أطفالاً فقدوا مدارسهم وأمهات فقدن منازلهن وآباء تركوا أعمالهم وممتلكاتهم خلفهم هرباً من أهوال الحرب. هؤلاء لم يأتوا غزاةً ولا باحثين عن امتيازات وإنما دفعتهم الظروف القاهرة إلى البحث عن مكان آمن يحفظ لهم حياتهم وأسرهم.

ومن هنا فإن الواجب الأخلاقي والإنساني يقتضي تجنب التعميم في الحكم على الناس وعدم تحميل الأبرياء مسؤولية أخطاء أفراد أو مجموعات محدودة.
فالعلاقات بين الشعوب تبنى على الاحترام المتبادل والتفاهم والتعاون لا على الأحكام المسبقة أو خطابات الكراهية.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية عبر التاريخ أن الشعوب التي تقف إلى جانب بعضها البعض في أوقات المحن تترك أثراً لا يُنسى في الذاكرة الجماعية للأمم.
وستظل المواقف الإنسانية النبيلة محل تقدير واحترام مهما تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال.

إن الشعب السوداني يقدر عالياً كل جهد تبذله ليبيا في سبيل الحفاظ على أمنها واستقرارها كما يثمن المواقف الإنسانية التي وجدها آلاف السودانيين من أشقائهم الليبيين خلال هذه الأزمة.
ويأمل الجميع أن تستمر العلاقات بين البلدين قائمة على الاحترام المتبادل وروح الأخوة والتعاون المشترك.

وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يحفظ ليبيا وشعبها الكريم وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار وأن يرفع عن السودان محنة الحرب والنزوح والفرقة وأن يعيد إليه الأمن والسلام والتنمية والاستقرار.

كما نسأله سبحانه وتعالى أن تبقى روابط الأخوة بين الشعبين السوداني والليبي قوية ومتينة وأن يجعل من هذه المحنة فرصة لتعزيز قيم التضامن والرحمة والتعاون بين الأشقاء.

حفظ الله ليبيا والسودان وألّف بين قلوب شعبيهما وجعل مستقبلهما أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.

الدكتور/ حسن عبدالرحيم أبوعجاج
أكاديمي وأستاذ جامعي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى