مقالات

مقصلة قانون الصحافة

أنواء

رمضان محجوب: 

​▪️ حين تنتهي المعارك العسكرية في ميادين القتال، تبدأ معارك أخرى لا تقل شراسة؛ معارك كشف الحقائق، رفع الوعي، وتشكيل الرأي العام. وهي الساحة المتقدمة التي تميزت فيها الصحافة الإلكترونية والمنصات الوطنية طوال أشهر الحرب الحالية، بعد أن وقفت بقوة وإخلاص لحماية ظهر البلاد، والدفاع عن سلامة أراضيها وسيادتها الوطنية في وجه أعتى حملات التضليل والتشويه الخارجي والداخلي.
​▪️ يمثل حديث وزير الإعلام، الزميل خالد الأعيسر، خلال لقائه الأخير بمديري وملاك المواقع الإلكترونية، اعترافاً رسمياً طال انتظاره بعطاء الأسرة الصحفية الصابرة، وتأكيداً على أن الدولة تنتبه أخيراً وتقدر هذا الثبات التحريري والمهني في التصدي لجيوش الإشاعات والأكاذيب المنظمة التي استهدفت تفتيت البنية المجتمعية والسياسية لبلادنا.
​▪️ وفي هذا السياق، فإن حديث الوزير عن أن حصر وتسجيل المواقع مجرد تدبير إداري مجاني يهدف لتأمينها من الاختراق والقرصنة، يُمثل جانباً إيجابياً وتنسيقياً لتنظيم المهنة وسد الثغرات أمام الدخلاء؛ غير أن تجاربنا الطويلة والمريرة مع القوانين والتشريعات المتعاقبة تجعلنا نتوجس خيفة دائماً، ونضع أصابعنا على قلوبنا مما يختبئ في العادة خلف النصوص المكتوبة والصياغات القانونية الفضفاضة.
​▪️ القراءة الفاحصة والعميقة لبنود قانون الصحافة المطروح للنقاش حالياً، تكشف عن نواقص هيكلية وفجوات تشريعية خطيرة، يمكن أن تحول بنود التنظيم الإداري إلى سيف مسلط على رقاب الصحفيين ومصادرة لحرياتهم، خصوصاً مع وجود عبارات مطاطية تحتمل التأويل السياسي والأمني في قضايا النشر والرقابة الإدارية والمهنية.
​▪️ تظل المعضلة الأكبر التي تواجه أهل المهنة اليوم، وتستوجب علاجاً جذرياً وفورياً، هي حالة الازدواجية القانونية المفخخة في قضايا النشر؛ إذ نطالب صراحة بتضمين مقترح حاسم يلغي تماماً محاكمة الصحفيين بموجب قانون الجرائم المعلوماتية في حالات التقاضي والنشر، والعودة الحصرية والكاملة لمحاكمتهم وفقاً لقانون الصحافة والمطبوعات. ذلك أن ترك الحبل على غاربه للشاكين لاستخدام قانون المعلوماتية كأداة للبطش بالصحفيين وإيداعهم الحراسات، يمثل انتكاسة كبرى للعدالة وتكميماً مقنناً للأفواه.
​▪️ تجاربنا تؤكد أن أي مسودة تشريع لا تكفل حماية كاملة ومطلقة لمصادر الصحفي السرية، وتمنح جهات تنفيذية أو إدارية حق حجب المنصات أو تجميدها دون حكم قضائي بات ونهائي، هي مسودة معيبة تصادر حرية التعبير، وتضيع الحقوق المهنية والمعيشية لمنسوبي الصحافة الذين لم يبخلوا بدمائهم وجهدهم في أحلك الظروف.
​▪️ ولعل أبرز ثمرات هذا اللقاء المباشر مع وزير الإعلام، هي الاستجابة لطلب أهل الشأن والاتفاق على تنظيم ورشة عمل عاجلة لمراجعة مسودة القانون وحسم ملف اقتصاديات الصحافة، لضمان ألا تخرج النصوص مبتورة ومفروضة من فوق رأس الممارسة اليومية، بعيداً عن واقع الميدان الصحفي ومشاكله المعقدة.
​▪️ ولضمان نجاح هذه الورشة المنتظرة وخروجها بصيغة توافقية، نطالب بنقل سلطة محاسبة الصحف والمواقف أو إغلاقها من مجلس الصحافة والمطبوعات (الذي يغلب عليه التعيين السياسي) إلى منصة القضاء المستقل، مع وضع نص قاطع ومانع يمنع العقوبات السالبة للحرية وحبس أصحاب الرأي في قضايا النشر، بجانب إلزام المؤسسات بحد أدنى للأجور يضمن كرامة الصحفي واستقراره الأسري.
​▪️ تكريم الصحافة الوطنية وتخصيص يوم لشهداء المهنة الذين سقطوا في معركة الكرامة خطوة مقدرة وتستحق الثناء، لكن الرد العملي والوفاء الحقيقي لتضحيات هؤلاء الشهداء والجرحى يكون بإقرار قانون عصري وديمقراطي يحمي الكلمة الحرة، ويدعم الأقلام الشريفة في البناء والنقد والتصحيح، دون ترهيب، أو ملاحقة، أو مقاصل قانونية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى