كيف تفوق بائعو الليمون وستات الشاي على جهات حكومية إلكترونيا

الخرطوم ـ إيهاب وهبة مكي (@ehabmakk)
قبل اندلاع الحرب في السودان بنحو شهر، كانت آخر زيارة لي قادما من أرض الحرمين الشريفين إلى أرض النيلين، حيث أتيحت لي آنذاك فرصة متابعة بدايات أزمة الحرب عن قرب، فأمضيت نحو أربعة أشهر متنقلا بين الخرطوم والجزيرة وشرق السودان، في أيام عصيبة عاشها الشعب السوداني بصبر وثبات وسط ظروف بالغة القسوة.
ومع عودتي مجددا إلى الوطن خلال الأيام القليلة الماضية، خرجت بعدد من الانطباعات المتباينة، بعضها يعكس مؤشرات إيجابية على التعافي التدريجي واستعادة الأمن والآمان والاستقرار، خاصة في مدن الخرطوم وبورتسودان وسواكن وعطبرة ومدني،، فيما تثير بعض الانطباعات الكثير من التساؤلات والاستغراب.
بدأت أولى هذه الانطباعات من ميناء سواكن، حيث لا تزال مظاهر الفوضى الإدارية والمعاناة التي يواجهها المسافرون حاضرة بشكل لافت، فرغم تحديد موعد إبحار الباخرة الجابرة (بواسطة تاركو البحرية)، من جدة لسواكن ليوم الاثنين الموافق25مايو2026 ، أبحرت يوم الثلاثاء الموافق 26 مايو2026 (يوم الوقوف بعرفة)، عند الربعة فجرا، لنصل لسواكن صباح اليوم التالي الأربعاء (أول أيام العيد) عند الساعة السادسة مساءً.
وعند وصول الباخرة إلى ميناء سواكن، لوحظ تدفق أعداد كبيرة من العمال وغير العاملين بالميناء إلى داخل الباخرة أمام أنظار الجهات المختصة، في مشهد يثير العديد من علامات الاستفهام. وسرعان ما تبدأ محاولات متكررة لإقناع الركاب بحمل أمتعتهم أو إنهاء إجراءات مركباتهم مقابل مبالغ مالية تُدفع بالريال، أو الدولار الأمريكي. ( لا تسأل كيف تم السماح للعمال وبعض المواطنين العاديين بدخول الباخرة، فلن يجيبك أحد، وربما هذا الأمر مقصود لشيء في نفس يعقوب).
كما يواجه أصحاب المركبات العابرة بنظام “التربتك” ضغوطاً مماثلة من بعض العاملين والمخلصين الجمركيين، وعمال الميناء، رغم أن الإجراءات يمكن إنجازها بصورة مباشرة من قبل مالك المركبة دون الحاجة إلى وسيط، ما يضيف مزيداً من الأعباء والتعقيدات على المسافرين.
ومن الملاحظات اللافتة وجود مجموعات عبر تطبيق “واتساب”( منهم عمال وموظفي ميناء سواكن)، تتداول معلومات تفصيلية عن المركبات وأصحابها منذ لحظة شحنها من ميناء جدة وحتى وصولها إلى سواكن، وهو أمر يطرح تساؤلات حول آلية تداول هذه البيانات ومصادرها في ظل غياب الضوابط الواضحة. (لا تسأل عن الجهة التي أرسلت لهم تفاصيل العربات وأسماء ملاكها، لن يجيبك أحد، في ظل الفوضى).
ومن أكثر المشاهد إثارة للاستغراب استمرار تحصيل رسوم بعض الخدمات الحكومية، خاصة المتعلقة بمركبات التربتك، بصورة يدوية بالكامل، إذ يتم تحرير الإيصالات واستلام الرسوم نقداً دون وجود أنظمة إلكترونية متكاملة، في وقت أصبحت فيه المدفوعات الرقمية وسيلة أساسية حتى لدى الباعة البسطاء وأصحاب الأنشطة الصغيرة عبر تطبيق “بنكك”.
لك أن تتخيل مسؤول تحصيل رسوم “التربتك” بميناء سواكن، يضع مبالغ المال في جيوبه (السديري)، حيث لا توجد خزنة، ولا محاسب، فالموظف يحرر لك الوصل يدويا، ويستلم منك المبلغ بالريال يدويا ليضعه في جيوبه، بينما بائعو الليمون والخضار وست الشاي يتحصلون على مبالغهم إلكترونيا عبر تطبيق(بنكك)، إنه سودان الدهشة والاندهاش.
هذا الوضع يعكس مفارقة اجتماعية واقتصادية في غاية الاستغراب، فكيف ينجح عامل بسيط في التكيف السريع مع متطلبات السوق والتحول الإلكتروني، بينما تفشل جهات حكومية عديدة في تطبيق هذا التحول وتسريع الخدمات والإجراءات.
كما تعاني مرافق تحصيل الرسوم والجمارك داخل ميناء سواكن من نقص واضح في الخدمات الأساسية، حيث تفتقر إلى دورات المياه المناسبة ومصادر مياه الشرب النظيفة وأماكن الوضوء والاستراحة، رغم أن غالبية مستخدميها من الأسر والعائلات التي تضم النساء والأطفال وكبار السن.
وعلى الجانب المعيشي، لا تزال آثار الحرب والظروف الاقتصادية تلقي بظلالها على حياة المواطنين، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار العديد من السلع الأساسية، خاصة اللحوم والمخبوزات، بينما تبدو أسعار الفواكه أكثر قبولاً مقارنة ببقية المنتجات.
المدهش في الأمر أن بائع الليمون والخضار، وستات الشاي يتفوقون إلكترونيا، على بعض الجهات الرسمية في حكومة السودان، التي تتحصل منك الرسوم يدويا، أنه أمر حقا غريب جدا جدا. حيث تجد بائع الليمون البسيط وست الشاي وبائع الخضار يتحصل منك مبالغ البيع إلكترونيا عن طريق حساب(بنكك)، بينما تصر بعض الجهات الحكومية، وبعض سفارات السودان بالخارج وبعض الجهات شبه الحكومية على تحصيل المبالغ والرسوم يدويا، أنه إمر في غاية الغرابة والاندهاش.
وفي المقابل، حملت الزيارة العديد من المؤشرات الإيجابية التي تدعو للتفاؤل، وفي مقدمتها تحسن الوضع الأمني واستقرار في عدد من المدن، خاصة الخرطوم وعطبرة وسواكن وبورتسودان. كما أن واقع الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء، بدأ أفضل مما يتم تداوله في بعض المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تبث الشائعات والأخبار المفبركة.
وفي ظل هذه التحديات المستمرة ومظاهر التعافي المتنامية، يبقى السودان بلدا قادرا على النهوض من جديد، مستندا إلى إرادة شعبه وصبره وقدرته على تجاوز المحن، بما يعزز الآمال بمستقبل أكثر استقرارا وازدهارا.


