ضمن العلاقات الإستراتيجية.. انطلاقة التحويلات المصرفية المباشرة بين السودان والصين

بقلم/ محمد بابكر:
شهدت العلاقات السودانية الصينية منعطفا استراتيجيا جديدا يعزز من متانة الشراكة الاقتصادية بين البلدين وذلك بإعلان سفير السودان لدى بكين عمر عيسى عن البدء الرسمي للعمل بالتحويلات المصرفية المباشرة بين بنك أم درمان الوطني وكل من بنك شنغهاي والبنك الشعبي الصيني. هذه الخطوة التي وصفت بأنها تتويج لجهود دبلوماسية مكثفة تعدّ شريانا حيويا يربط الاقتصاد السوداني بأحد أكبر الاقتصادات العالمية في توقيت دقيق وحساس يمر به السودان.
لطالما عانت العمليات التجارية والتحويلات المالية بين السودان والخارج من تحديات معقدة مرتبطة بالقيود المفروضة على النظام المصرفي السوداني.
هذه المبادرة تأتي لفتح قنوات مباشرة مع بنوك صينية كبرى كحل جذري لهذه المعضلة إذ يمثل ربط (بنك أم درمان الوطني) بمؤسسات مالية بحجم (بنك شنغهاي) والبنك الشعبي الصيني إيجاد ممر آمن بعيدا عن القنوات الوسيطة التي كانت تفرض رسوما مرتفعة وتؤدي إلى تأخير كبير في وصول الأموال.
تعد الصين الشريك التجاري الأول للسودان وتأتي هذه الخطوة لترفع من كفاءة هذه الشراكة عبر خفض التكاليف التشغيلية وتسريع تدفق السيولة مما يعزز قدرة المؤسسات السودانية على إدارة عملياتها.
في هذا السياق لتحقيق أقصى استفادة من هذا الممر المالي يبرز القطاع الزراعي والصناعات الصغيرة والحرفيون كركائز أساسية للنهوض بالاقتصاد الوطني عبر هذه القنوات إذ تتيح لهم تسهيلات التحويل استيراد المعدات ومدخلات الإنتاج مباشرة من المصدر الصيني بتكاليف أقل مما يعزز كفاءة الإنتاج المحلي.
كما تفتح هذه الآلية آفاقا للحرفيين لتسويق منتجاتهم إلكترونيا واستلام مستحقاتهم عبر البنوك الرسمية مما يضمن تدفق السيولة النقدية بعيدا عن تقلبات السوق الموازي ولضمان نجاح هذا التحول يتعين على البنوك الوطنية تبني حلول رقمية سهلة الاستخدام وتكثيف برامج التوعية لأصحاب المشاريع الصغيرة مع تفعيل حاضنات أعمال تدعمهم في ربط الإنتاج المحلي بالسوق الصيني. إن تمكين هؤلاء المنتجين لا يعزز فقط من قدرتهم على التنافسية بل يمثل توسيعا لقاعدة المشاركة الاقتصادية بحيث تتجاوز فوائد الشراكة مع الصين كبار المستثمرين لتصل إلى أصحاب المهن اليدوية والزراعية مما يمهد الطريق لنهضة صناعية وزراعية مستدامة تحت شعار (صنع في السودان) بشراكة تقنية عالمية.
يأتي هذا الإعلان في وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوداني إلى أي نافذة تمنحه قدرا من الاستقرار حيث سيساهم تسهيل التحويلات الرسمية في تقليل الاعتماد على السوق الموازي ودعم ميزان المدفوعات.
كما أن موافقة السلطات الصينية على فتح حساب مصرفي للبنك الزراعي السوداني تشير إلى ثقة متنامية وتفتح الباب أمام تمويل مشاريع زراعية استراتيجية قد تشمل استثمارات صينية مباشرة في القطاع الزراعي.
على الرغم من أهمية هذه الخطوة إلا أن نجاحها يعتمد على عدة عوامل منها الالتزام الصارم بمعايير الامتثال الدولية وتطوير البنية التحتية المصرفية الرقمية. إن استدامة هذه العلاقة تتطلب أيضا تطوير اتفاقيات تجارية إضافية تشمل التبادل التجاري بعملات محلية لتقليل الاعتماد على الدولار.
إن فتح قنوات التحويل المصرفي المباشر بين السودان والصين هو خطوة سيادية واقتصادية بامتياز تعكس عمق العلاقات التاريخية وتثبت قدرة الدبلوماسية السودانية على إيجاد مخارج للأزمات الاقتصادية في أصعب الظروف.
إن هذه (النافذة) المفتوحة نحو الشرق تمثل بارقة أمل لقطاع الأعمال السوداني وتؤكد أن الاقتصاد السوداني برغم التحديات يمتلك مقومات الانفتاح والارتباط بالنظام المالي العالمي إذا ما توفرت الإرادة والتخطيط الاستراتيجي السليم.


