خطوط الإمداد التي تُبقي حرب السودان مشتعلة.. ماذا كشف تحقيق رويترز؟

رانيا عمر:
لا تُطيل الحروب قدرتها على البقاء بالسلاح وحده؛ فخلف خطوط القتال توجد دائمًا شبكات إمداد تحدد قدرة الأطراف المسلحة على الاستمرار، وتحدد في الوقت نفسه حجم المعاناة التي يتحملها المدنيون في السودان.
أعاد تحقيق استقصائي نشرته وكالة رويترز في 15 يوليو 2026 تسليط الضوء على هذا الجانب الخفي من الحرب، عبر تتبع مسارات طائرات وشركات قالت الوكالة إنها مرتبطة بشبكات إمداد تستخدمها مليشيا الدعم السريع خلال الحرب.
واعتمد التحقيق، وفق ما نشرته رويترز، على سجلات شركات، ووثائق توظيف، وبيانات تتبع للطائرات، وصور للأقمار الصناعية، إلى جانب معلومات أخرى جمعتها الوكالة خلال عملها الاستقصائي، لتتبع تحركات طائرات وشركات قالت إنها ارتبطت بمسارات وصلت إلى مواقع وصفتها بأنها مراكز إمداد مرتبطة بمليشيا الدعم السريع.
لكن ما يلفت الانتباه في هذا الملف لا يتعلق بحركة الطائرات وحدها، بل بما تكشفه هذه المسارات عن أحد الجوانب الأساسية في الحروب الحديثة؛ فاستمرار القتال يحتاج إلى منظومة توفر الموارد والقدرة اللوجستية التي تسمح للجبهات بالبقاء مفتوحة.
وهنا ينتقل أثر هذه الشبكات من المجال العسكري إلى حياة المدنيين. فبالنسبة للمواطن السوداني، لا تمثل طرق الإمداد تفاصيل بعيدة عن واقعه اليومي، بل ترتبط مباشرة بطول أمد الحرب، واتساع النزوح، وتراجع الخدمات، وارتفاع حجم الاحتياجات الإنسانية. فكلما طال أمد الحرب، اتسعت دائرة المعاناة.
ويكتسب ما كشفه تحقيق رويترز أهمية إضافية عند مقارنته بالإطار القانوني الدولي المنظم للحرب في دارفور. “فمنذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 1556 لعام 2004 في 30 يوليو من ذلك العام، ثم القرار 1591 لعام 2005 الصادر في 29 مارس 2005، ظل نظام العقوبات الخاص بدارفور أحد الآليات التي اعتمدها المجتمع الدولي للحد من تدفق السلاح واتساع رقعة الحرب…”
وإذا كانت الرحلات التي رصدها تحقيق رويترز قد ارتبطت، وفق ما وثقته الوكالة، بمراكز إمداد تستخدمها مليشيا الدعم السريع في دارفور، فإن هذه المعطيات تضع الجهات الدولية المختصة أمام مسؤولية مراجعتها، وتحديد ما إذا كانت تستدعي فتح تحقيق رسمي لمعرفة ما إذا كانت هناك مخالفات لنظام حظر السلاح، أم أنها ستبقى في نطاق ما تكشفه التحقيقات الصحفية دون أن تتحول إلى إجراءات دولية.
وتزداد حساسية الملف مع إشارة التحقيق إلى ارتباط بعض الطائرات بشركات يديرها مواطن أمريكي خدم سابقًا في الجيش الأمريكي، وعمل متعاقدًا مع مؤسسات دولية، مع تأكيد رويترز أنها لم تجد دليلًا على أن الرجل أو شركاته انتهكوا العقوبات أو تورطوا في جرائم حرب. وهو ما يثير التساؤل: كيف يمكن لمواطن أمريكي أن يعمل على مخالفة القانون الذي تفرضه بلاده؟ وكيف لا توجد أدلة على تورطه في جرائم حرب رغم وضوح القرار الخاص بحظر الأسلحة؟
ولذلك لا يمكن تجاهل أن ارتباط بعض الشركات الواردة في التحقيق بمواطن أمريكي يضيف بُعدًا آخر إلى القضية؛ فالسؤال هنا لا يتعلق بالجنسية في حد ذاتها، وإنما بما إذا كانت الجهات المختصة ستتعامل مع أي شُبهة محتملة بالجدية والمعايير نفسها، أم أن اختلاف جنسية الأطراف قد يؤثر على سرعة الاستجابة وطبيعة الإجراءات.
وتبقى الإجابة مرتبطة بما ستكشفه أي مراجعة أو تحقيق رسمي. وإذا كانت الأمم المتحدة تؤكد باستمرار أن السودان يعيش واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، وتدعو إلى وقف تدفق السلاح والتمويل الذي يغذي الحرب، فإن التحدي الأكبر يبقى في الانتقال من مرحلة التحذير والإدانة إلى مرحلة المساءلة وإنفاذ القرارات الدولية.
فالبيانات وحدها لا تغير واقع الحرب، والإدانات وحدها لا توقف تدفق السلاح. فنجاح نظام العقوبات لا يُقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بقدرته على تحقيق أثر ملموس ومنع الانتهاكات التي وُضع أصلًا لمعالجتها.
إن الحرب في السودان لا تستمر فقط بسبب من يحمل السلاح، بل أيضًا بسبب الظروف التي تسمح بوصول الموارد واستمرار استخدامها. ولهذا فإن أي محاولة جادة لإنهاء الحرب لا يمكن أن تكتفي بالحديث عن وقف إطلاق النار، بل يجب أن تنظر إلى الشبكات التي تمنحها القدرة على البقاء.
لقد كشف تحقيق رويترز جزءًا من الطريق الذي تسلكه الإمدادات، لكنه أعاد فتح ملف أكبر حول مسؤولية المجتمع الدولي في التعامل مع شرايين الحرب.
السودانيون لا يدفعون ثمن المعارك فقط، بل يدفعون ثمن الطرق التي تُبقي تلك المعارك ممكنة. فإغلاق شرايين الحرب ليس تفصيلًا سياسيًا، بل خطوة أساسية لحماية حياة المدنيين وفتح الطريق نحو وقف إطلاق النار المستدام وإنهاء معاناة الشعب السوداني وتطهير البلاد من المليشيا والمرتزقة.
فقد تبدأ الحروب بطلقة… لكنها لا تستمر إلا بخطوط إمداد.



