بين الحرمين والنيلين.. علاقة باركتها المواقف وحفظها التاريخ

كتبت ـ صباح أحمد:
ليست كل العلاقات بين الدول تُقاس بما يُوقَّع من اتفاقيات أو يُعلن من بيانات، فبعض العلاقات تنسجها الجغرافيا، ويصونها التاريخ، وتباركها المواقف، وتحفظها القلوب.
وهذا هو حال العلاقة بين السودان والمملكة العربية السعودية؛ علاقة لم تكن يوماً علاقة مصالح عابرة، وإنما أخوة ضاربة في الجذور، ازدادت رسوخاً مع تعاقب السنين.
لذلك سعدت أيما سعادة وأنا أطالع تصريحات وزير الخارجية، محي الدين سالم، التي أشاد فيها بالمستوى الرفيع والمتقدم للعلاقات بين السودان والمملكة العربية السعودية، وأعلن عن توقيع اتفاق خلال الشهر المقبل لإنشاء المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين البلدين، في خطوة تمثل نقلة نوعية في مسار هذه العلاقة، وتؤكد أن المملكة تمثل شريكاً استراتيجياً من الدرجة الأولى للسودان.
وليس ذلك بغريب، فما يفصل البلدين جغرافياً ليس سوى مجرى مائي، بينما تربط بين الشعبين وشائج الأخوة والمودة وروابط الدين والتاريخ والمصير المشترك. إنها علاقة لم تبدأ اليوم، ولن تقف عند حدود الحاضر، بل تمتد بإذن الله إلى مستقبل أكثر إشراقاً، لأنها قامت على الثقة والاحترام والمواقف الصادقة.
■وقبل هذه التصريحات، جاءت المواقف السودانية الواضحة تجاه كل ما يستهدف المملكة العربية السعودية، سواء كان ذلك في العدوان المباشر الذي تعرضت له، أو عبر التهديدات التي تمارسها مليشيا الحوثي باستهداف أراضي المملكة أو تهديد الملاحة في البحر الأحمر. فالسودان يدرك أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمنه، وأن ما يمس أرض الحرمين الشريفين لا يخص السعودية وحدها، وإنما يمس كل من يرتبط بها بعلاقات الأخوة والمصير المشترك. فأمن المملكة هو أمن السودان، واستقرارها استقرار له، وكل تهديد يطالها ينعكس، بصورة أو بأخرى، على السودان والمنطقة بأسرها.
■أقول هذا وأنا أتجول بين الرحاب الطاهرة، وأقضي أياماً لا تُنسى بدأت من جدة، عروس البحر الأحمر، ثم مكة المكرمة، حرسها الله، وصولاً إلى المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم.. وخلال هذه الرحلة لم أكن مجرد زائرة، بل كنت شاهدة على حراك تنموي متواصل، ونهضة شاملة، ومسيرة بناء لا تتوقف.
في كل مدينة، وفي كل شارع، وفي كل مشروع، يلمس المرء حجم التطور الذي تشهده المملكة، ثمرة للرؤية الطموحة والاهتمام الكبير الذي توليه القيادة السعودية الرشيدة، ممثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، ليس فقط ببناء المدن وتطوير البنية التحتية، وإنما ببناء الإنسان، والحفاظ على الهوية، ورعاية المقدسات، وصون الإرث الحضاري العريق الذي تمتد جذوره عبر التاريخ.
والجميل في هذه النهضة أنها لم تقتصر على المواطن السعودي وحده، بل شملت كذلك الوافدين والمقيمين من مختلف أنحاء العالم، الذين يجدون في المملكة بيئة تحفظ كرامتهم وتمنحهم فرص العمل والحياة الكريمة. فهم لا يُعاملون باعتبارهم غرباء، بل شركاء في التنمية وجزءاً من الحراك العام.
وللسودانيين مكانة خاصة في هذه البلاد، صنعتها سنوات طويلة من العمل الصادق، وحسن الخلق، والإخلاص في أداء الواجب. فالمغترب السوداني ظل، ولا يزال، خير سفير لوطنه، يحمل معه قيم السودان وأخلاق أهله، ويترك أثراً طيباً أينما حل، حتى أصبح اسماً يحظى بالتقدير والاحترام.
■ولم تخذل المملكة العربية السعودية السودان في أصعب محنه، بل ظلت حاضرة إلى جانبه طوال سنوات الحرب، بمواقفها الإنسانية قبل السياسية.. فقد كان لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية حضور مؤثر في قلب الأزمة، من خلال دعمه المباشر للقطاع الصحي في عدد من الولايات، بتوفير المولدات الكهربائية، والأدوية، والأجهزة والمعدات الطبية، إلى جانب القوافل والمخيمات العلاجية المجانية وسيارات الإسعاف.
وامتد العطاء ليشمل مشروعات سقيا المياه، عبر حفر الآبار وإنشاء محطات المياه، فضلاً عن مشروع السلال الغذائية الذي أسهم في التخفيف من معاناة آلاف الأسر والنازحين داخل المعسكرات، إضافة إلى السلال الرمضانية وتوزيع التمور، بينما ظل الجسران الجوي والبحري للإغاثة السعودية يحملان الخير إلى السودان دون انقطاع، في رسالة إنسانية ستظل محفوظة في ذاكرة السودانيين.
أقول هذا وأنا واحدة من المتضررين من الحرب.. ورغم أنني لم أكن ضمن المستفيدين مباشرة من تلك المشروعات، فإنني كنت شاهدة على أثرها الكبير في حياة كثير من الأسر، وتابعت تفاصيلها عن قرب، ورأيت كيف خففت شيئاً من قسوة الحرب وآلام النزوح. ولذلك فإن كلمة الشكر هنا ليست مجاملة، وإنما شهادة حق في حق من وقف مع السودان حين اشتدت المحنة.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً وشعباً، وحفظ الله السودان أرضاً وشعباً، وأدام بين البلدين عمق الصلة والتواصل، وزاد هذه العلاقة رسوخاً ومحبة.
فبلاد الحرمين الشريفين تزداد بهاءً وهي تحتضن كل من قصدها آمناً، وتكتمل لوحتها الجميلة حين تتعانق مع بلاد النيلين، حيث يلتقي التاريخ بالإخاء، وتمتزج المحبة بالمواقف، وتبقى الأخوة الصادقة أقوى من المسافات، وأبقى من كل الظروف.



