العطا في أنقرة.. دعوة تركية تفتح باباً جديداً للسودان

بقلم ـ رانيا عمر:
استقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية، الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو، يوم الإثنين في أنقرة، الفريق أول ركن ياسر العطا، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية، بمراسم رسمية في مقر رئاسة الأركان التركية، قبل أن يستقبله وزير الدفاع التركي، يشار غولر، في لقاء حضره رئيس الأركان. ولم يكن مستوى الاستقبال وحده هو اللافت، وإنما جاءت الزيارة بدعوة رسمية تركية، في خطوة تعكس اهتماماً واضحاً بتطوير العلاقات مع السودان. ومن هنا تكتسب الزيارة أهميتها؛ فهي لا تبدو مجرد لقاء بروتوكولي عابر، ولا يصح اختزالها في صفقة سلاح لم يُعلن عنها، وإنما تأتي في سياق علاقة تتقاطع فيها المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية بين بلدين، لكل منهما حساباته ومصالحه.
ولأن الدعوة جاءت من أنقرة، فإن القراءة تبدأ من هذه الحقيقة. تركيا اختارت أن تفتح هذا المستوى من التواصل مع القيادة العسكرية السودانية، والخرطوم استجابت للدعوة انطلاقاً من علاقاتها ومصالحها. وفي علاقات الدول، لا تحتاج الشراكات إلى تبرير يتجاوز المصالح المشتركة، كما أن الانفتاح على دولة أخرى لا يعني بأي حال انتقاصاً من استقلال القرار الوطني.
ومن هنا أيضاً يصبح اختزال الزيارة في شراء السلاح قراءة ضيقة. فما أُعلن حتى الآن، بحسب الصحافة التركية، يتعلق بتعزيز العلاقات العسكرية والدفاعية، بينما لا يوجد إعلان رسمي عن صفقة محددة أو منظومة بعينها باعتبارها نتيجة للزيارة. والفارق مهم بين علاقة دفاعية تتطور عبر الاتصالات والتفاهمات والمؤسسات، وبين عقد تجاري محدد يمكن الإعلان عن تفاصيله بوضوح.
أما السودان، فيدخل هذه العلاقة بما يملكه من خبرة وموقع وقرار مستقل. فالقوات المسلحة السودانية مؤسسة عريقة ذات تجربة عسكرية متراكمة، والحرب الحالية أضافت إلى تجربتها الميدانية خبرات واسعة فرضتها طبيعة المواجهة وظروفها. ولذلك فإن أي تعاون مع تركيا في المجال العسكري أو الفني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بحثاً عن خبرة مفقودة، وإنما باعتباره مجالاً طبيعياً لتقاطع المصالح وتبادل الإمكانات، متى وجد الطرفان أن ذلك يخدم أهدافهما.
وبهذه القاعدة يمكن النظر إلى التعاون مع تركيا بصورة أكثر اتزاناً. فالسودان يملك زمام أمره ويقدر أولوياته، ويملك كذلك خبراته، ومن حقه أن يبحث عن أفضل الخيارات المتاحة أمامه في أي مجال يراه ضرورياً. وتركيا، مثل غيرها من الدول، لديها قدرات وخبرات ومصالح يمكن أن تتقاطع مع المصالح السودانية. وعندما يلتقي الطرفان عند نقطة مشتركة، يصبح التعاون قراراً تحكمه المصلحة، لا دليلاً على حاجة أو تبعية.
وهذا ينطبق على المجال الدفاعي كما ينطبق على غيره. فإذا رأى السودان أن التعاون مع تركيا في مجال تقني أو صناعي أو فني يخدم احتياجاته، فله أن يمضي فيه، كما أن له أن يختار التعاون مع أي دولة أخرى عندما يرى أن ذلك يحقق مصلحة أفضل. ومعيار العلاقة هنا ليس اسم الشريك، وإنما ما تضيفه إلى قدرة السودان وخياراته وقراره الوطني.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم تعدد مجالات التعاون الممكنة، من التكنولوجيا والاتصالات إلى الصيانة والتصنيع والتقنيات الحديثة وغيرها، من دون افتراض مسبق بأن السودان ذاهب إلى تركيا ليحصل على ما ينقصه. فقد تكون هناك مصالح مشتركة في مجال معين، وقد يكون السودان نفسه صاحب خبرة أو احتياج أو قدرة تجعل التعاون مفيداً للطرف الآخر أيضاً. وهذه هي طبيعة الشراكات التي تقوم بين الدول عندما تتعامل من مواقع مستقلة.
وتزداد أهمية هذه المعادلة بالنظر إلى موقع السودان. فالبلاد ليست مجرد طرف في معادلة أمنية مؤقتة، وإنما دولة تقع على البحر الأحمر، وتمتد في المجالين العربي والأفريقي، وتمتلك موارد وموانئ وإمكانات اقتصادية وإعمارية تمنحها وزناً في الحسابات الإقليمية. وتركيا، التي وسعت حضورها في أفريقيا وطورت علاقاتها السياسية والاقتصادية والدفاعية، لديها بدورها مصالح تجعل تطوير صلتها بالخرطوم أمراً مفهوماً في إطار أوسع من التعاون العسكري.
ومن ثم، فإن العلاقة بين البلدين يمكن أن تتسع إلى أكثر من ملف، من الدفاع والأمن إلى الاقتصاد والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، وفق ما يقرره الطرفان. وفي كل هذه المجالات، تظل القاعدة واحدة: السودان يختار ما يخدم مصالحه، وتركيا تبحث عما يخدم مصالحها، وما ينجح بينهما هو ما يحقق منفعة متبادلة.
وهنا تلوح أهمية الزيارة وتوقيتها ومستواها، لا في التكهن بما قد ينتج عنها. فالاتصالات الرفيعة بين المؤسسات العسكرية تخلق مساحة للتفاهم يمكن أن تُبنى عليها اتفاقات وبرامج لاحقة، لكن ما سيحدد وزن الزيارة فعلياً هو ما إذا كانت ستتبعها خطوات عملية واتفاقات واضحة تخدم مصالح البلدين.
ولهذا ينبغي التعامل معها بعيداً عن المبالغة. لا صفقة معلنة يمكن نسبتها إلى الزيارة، ولا منظومة محددة يمكن تقديمها باعتبارها نتيجة مؤكدة لها. وفي المقابل، لا يوجد ما يدعو إلى التعامل معها كزيارة شكلية، بعدما جاءت بدعوة رسمية واستقبال رفيع ومباحثات تناولت العلاقات العسكرية والدفاعية.
إنها خطوة في مسار علاقة بين دولتين، لكل منهما حساباته. تركيا لديها ما تبحث عنه في السودان، والسودان لديه ما يبحث عنه في تركيا، لكن الأهم أن أي تعاون بينهما يقوم على الندية والمصلحة المتبادلة، ويظل القرار السوداني سودانياً، والمصلحة السودانية هي معيار القبول والاستمرار.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق المتابعة بعد أنقرة ليس ما إذا كان السودان سيشتري هذا السلاح أو ذاك، وإنما ما إذا كانت هذه الزيارة ستنجح في تحويل التقارب السياسي والعسكري إلى تعاون عملي يحقق مصالح واضحة للطرفين، ويفتح أمام السودان خيارات أوسع دون أن ينتقص من خبرته أو قراره أو سيادته.
فالدول لا تتعاون لأنها ضعيفة، ولا ترفض التعاون حتى تثبت قوتها؛ الدول تتعاون عندما تتقاطع مصالحها. وزيارة الفريق أول ركن ياسر العطا إلى أنقرة تبدو، في هذا السياق، خطوة سودانية واعية في مساحة أوسع من الخيارات، يكون معيار نجاحها الحقيقي بما تضيفه إلى السودان من مصالح وقدرة وخيارات، لا بما يقوله عنها في يومها الأول أعداء الوطن.



