حظر السلاح أم تقييد الدولة؟ السودان في مواجهة مشروع أمريكي داخل مجلس الأمن

بقلم/ رانيا عمر:
لم يكن السودان أمام مجلس الأمن في الرابع والعشرين من أغسطس أمام نقاش آخر عن حرب طال أمدها بقدر ما كان أمام سؤال يمس جوهر الدولة نفسها: كيف يمكن حماية المدنيين السودانيين من دون إضعاف الدولة التي يفترض أن تحميهم؟ خلف هذا السؤال جاء المشروع الأمريكي الساعي إلى توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، لتتجاوز القضية حدود العقوبات إلى ما هو أبعد: حدود السيادة، وحق الدولة في الدفاع عن شعبها، وطبيعة الدور الذي ينبغي أن يلعبه المجتمع الدولي في إنهاء الحرب.
فالولايات المتحدة لا تقترح مجرد تمديد للإجراء القائم، وإنما تغييرًا في نطاقه، مع إدخال الطائرات المسيّرة والأنظمة والتقنيات المرتبطة بها ضمن الحظر وتعزيز آليات متابعته. وتقول واشنطن إن الغرض هو الحد من تدفق السلاح والدعم الخارجي الذي يغذي القتال. لكن اتساع الإجراء يفرض في المقابل سؤالًا لا يمكن تجاهله: إذا كان الهدف وقف الحرب، فهل يكون الطريق إلى ذلك عبر توسيع القيود على الدولة، أم عبر الوصول إلى الجهات التي تمد القتال بالسلاح والمال؟
ولأن الإجابة ترتبط بطبيعة الحظر نفسه، فإن خلفيته تصبح مهمة. فالإجراء يعود إلى عام 2004، عندما فرض مجلس الأمن حظرًا على السلاح في سياق أزمة دارفور، ثم عزز نظام العقوبات في العام 2005, ومنذ ذلك الوقت ظل الحظر مرتبطًا بالإقليم، ولم يتحول إلى حظر شامل على الدولة السودانية. ولذلك فإن نقله من دارفور إلى كامل السودان ليس مجرد تعديل في النطاق الجغرافي، وإنما تغيير في طبيعة الإجراء وآثاره المحتملة.
وتزداد دلالة هذه النقلة مع اقتراب موعد تجديد التدابير الحالية في سبتمبر، بعد تمديدها العام الماضي. فالمجلس لا يقف أمام استحقاق تجديد فحسب، وإنما أمام فرصة لإعادة تعريف نطاق العقوبات، بينما لا تزال الحرب مستمرة وتتسع آثارها الإنسانية والعسكرية. وهذا هو السياق الذي يجعل المشروع الأمريكي أكثر حساسية بالنسبة إلى للسودان.
فقد رفض سعادة السفير الحارث إدريس ، المندوب الدائم لجمهورية السودان لدى الأمم المتحدة، توسيع الحظر خارج دارفور، ودعا إلى التركيز على تنفيذ التدابير القائمة وملاحقة الجهات التي تنتهكها ومصادر التسليح التي تغذي الحرب. والموقف هنا لا يقوم على رفض الرقابة على السلاح في حد ذاتها، وإنما على طبيعة الجهة التي ستقع عليها القيود وما يمكن أن تتركه من أثر على قدرة الدولة في الدفاع عن نفسها ومواطنيها.
ومع ذلك أن جوهر القضية السودانية يكمن في الفارق بين طرفين لا يتساويان في طبيعتهما القانونية والمؤسسية. القوات المسلحة السودانية هي المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، بينما تقاتل مليشيا الدعم السريع خارج مؤسساتها وتسعى إلى فرض وجوده وسلطتها بالقوة. ولهذا فإن وضع الطرفين تحت قيود متقاربة قد يبدو متساويًا في صياغة القرار، لكنه لا ينتج بالضرورة أثرًا متساويًا على الأرض؛ فقد يحد من قدرة الدولة على الدفاع عن أراضيها ، في الوقت الذي تواصل فيه المليشيا البحث عن مصادر تسليح وإمدادات خارجية.
وهنا يتغير السؤال من «كم مساحة يجب أن يشملها الحظر؟» إلى «أين يجب أن يتركز الضغط؟». فإذا كانت المشكلة في السلاح الذي يطيل الحرب، فإن الوصول إلى مصدره وتمويله وشبكات نقله يبدو أكثر اتصالًا بالهدف من توسيع القيود لتشمل الدولة بأكملها. فالسلاح المتطور والطائرات المسيّرة لا تصل إلى ساحات القتال وحدها؛ وراءها تمويل وتقنيات وإمدادات ومسارات عبور وجهات توفرها و تسهل وصولها.
ومن هذه الزاوية يصبح تشديد تنفيذ الحظر القائم وملاحقة من ينتهكه خيارًا مختلفًا عن توسيعه. فالمشكلة ليست بالضرورة في غياب القيود، وإنما في قدرة الجهات المعنية على تنفيذها والوصول إلى من يقف خلف تدفق السلاح. وإذا بقيت قنوات التمويل والإمداد قادرة على العمل، فإن توسيع الحظر داخل السودان قد لا يصل إلى أصل المشكلة.
ويكتسب هذا النقاش ثقله الأكبر عندما يوضع إلى جانب الكلفة الإنسانية للحرب. فالمدنيون هم أول من يدفع الثمن، والطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى التي تطلقها المليشيا تزيد من خطورة القتال، وعندها تتسع حركة النزوح وتتعقد فرص وصول المساعدات. لذلك فإن معيار نجاح أي سياسة دولية ينبغي أن يكون قدرتها على تقليص قدرة وصول الأمدادات العسكرية على مواصلة التمرد ، لا مجرد اتساع نطاق العقوبات التي تصدر باسم حماية المدنيين.
وهنا تتصل مسألة السلاح بمسألة السيادة بصورة مباشرة. فالدولة التي يُطلب منها حماية مواطنيها وتأمين المدن والطرق والمرافق واستعادة الاستقرار تحتاج إلى القدرة على القيام بهذه الوظائف. وإذا قُيدت قدرتها على الدفاع عن أراضيها في الوقت الذي تستمر فيه قوة مسلحة خارج مؤسساتها في الحصول على دعم من الخارج، فإن الإجراء قد يخلق فجوة بين الهدف المعلن والنتيجة الفعلية.
هذا التعقيد لم يبقَ سودانيًا ـ أمريكيًا داخل المجلس، إذ دخلت روسيا والصين على خط النقاش بتحفظات على توسيع الحظر ليشمل كامل السودان. وأهمية موقفيهما لا تأتي فقط من مضمون الاعتراض، وإنما من موقع الدولتين داخل المجلس؛ فكلتاهما عضوان دائمان وتملكان حق النقض.
لكن هذا تحديدًا هو الموضع الذي يحتاج إلى دقة في توصيف المشهد. روسيا والصين لم تستخدمَا الفيتو ضد المشروع، لأن المشروع لم يصل أصلًا إلى مرحلة التصويت. ما حدث هو اعتراض سياسي على توسيع الحظر، وقد يصبح هذا الاعتراض ذا أثر حاسم إذا انتقل المشروع لاحقًا إلى التصويت من دون تعديل جوهري يبدد تحفظات موسكو وبكين.
وهكذا أصبحت المعركة الحقيقية في هذه المرحلة معركة صياغة وتفاوض قبل أن تكون معركة تصويت. واشنطن تريد توسيع نطاق الحظر وتشديد أدوات الرقابة، والخرطوم تريد الإبقاء على الإطار القائم مع إحكام تنفيذه وملاحقة مصادر التسليح، بينما تتحفظ موسكو وبيكين على نقل الإجراء من دارفور إلى كامل السودان. والنتيجة التي سيصل إليها المجلس ستكشف أي تصور سيغلب: معالجة الحرب من منابعها، أم توسيع القيود على ساحة الحرب نفسها.
ومع اقتراب موعد تجديد التدابير الحالية، تصبح المسألة أكثر من مجرد خلاف حول نص عقابي. فالعقوبات وسيلة وليست غاية، ونجاحها لا يقاس باتساعها وإنما بقدرتها على تحقيق الهدف الذي وضعت من أجله. وإذا كان الهدف هو حماية المدنيين وإنهاء الحرب، فإن الضغط على مصادر التمويل والتسليح، ومحاسبة من يمد الصراع بأسباب الاستمرار، يبدو أكثر اتساقًا مع هذه الغاية من إجراء قد يضعف قدرة الدولة على مواجهة قوة مسلحة خارج مؤسساتها.
ومن هنا تكتسب قضية السيادة معناها العملي، لا كشعار سياسي، وإنما باعتبارها شرطًا لأي نهاية مستقرة للحرب. فاستعادة الدولة لسلطتها واحتكارها للسلاح والقوة لا تتعارض مع حماية المدنيين؛ بل تمثل جزءًا من الطريق إليها. وفي المقابل، فإن بقاء قوة مسلحة مستقلة عن مؤسسات الدولة وقادرة على الاحتفاظ بمصادر قوتها يظل عائقًا أمام استعادة الاستقرار مهما تعددت القرارات الدولية.
لهذا فإن مشروع الحظر يضع مجلس الأمن أمام اختبار يتجاوز العقوبات نفسها: هل يستطيع المجتمع الدولي أن يضغط من أجل السلام من دون أن يفقد التمييز بين الدولة والمليشيا؟ وهل يمكن حماية المدنيين مع الحفاظ على قدرة الدولة على الدفاع عنهم، وملاحقة مصادر الحرب في الوقت نفسه؟
هذه ليست أسئلة نظرية بالنسبة إلى السودان. فالقرار الذي سيخرج من هذا النقاش سيؤثر في ميزان الحركة بين الدولة والقوة المسلحة خارج مؤسساتها، وفي الطريقة التي سيتعامل بها المجتمع الدولي مع الحرب خلال المرحلة المقبلة.
وفي النهاية، فإن السودان لا يحتاج إلى سياسة دولية تغلق باب السلاح على الدولة بينما تظل أبواب الإمداد مفتوحة أمام المليشيا، كما أن حماية المدنيين لا يمكن أن تنفصل عن وجود دولة قادرة على حمايتهم. الطريق الأكثر اتزانًا يبدأ باستهداف مصادر التسليح والتمويل، ومحاسبة من يمد الحرب بأسباب استمرارها، واحترام حق السودان في الدفاع عن أرضه وشعبه، ودعم استعادة الدولة لسيادتها، ثم فتح الطريق أمام حل سياسي يحفظ وحدة البلاد وقرارها الوطني.




