مقالات

حين تعود الدولة إلى عاصمتها.. ماذا يعني ذلك؟

رانيا عمر: 

في 25 أغسطس، كان المشهد في القصر الجمهوري بالخرطوم يبدو، للوهلة الأولى، مجرد مراسم دبلوماسية: رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان يتسلّم أوراق اعتماد السفير الإيطالي الجديد سيلفيو ميغنانو.

لكن السفير الإيطالي لم يكن هو الخبر.

الخبر أن سفيراً لدولة أوروبية قدم أوراق اعتماده من الخرطوم، وفي توقيت كانت فيه العاصمة قد بدأت تستعيد مؤسساتها ووظائفها، بعد أن استعادت القوات المسلحة السيطرة عليها، ومهّدت الطريق أمام مؤسسات الدولة للعودة إلى مواقعها.

ووفق وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا»، فإن ميغنانو هو أول رئيس بعثة من دولة غربية يقدم أوراق اعتماده في الخرطوم منذ اندلاع الحرب. وهذه ليست تفصيلة بروتوكولية عابرة؛ فهي تفتح السؤال الأهم: لماذا عادت الدبلوماسية الأوروبية إلى الخرطوم الآن؟

فالدبلوماسية لا تتحرك خارج حسابات السياسة. وتقديم سفير أوروبي أوراق اعتماده من العاصمة بعد هذا الغياب لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها البلاد؛ عودة المؤسسات، واستئناف العمل الرسمي، واستعادة القصر الجمهوري لوظيفته.

وهنا تتضح قيمة ما بدا للبعض مجرد احتفاء بعودة القصر.

فالذي عاد إلى القصر لم يكن المبنى وحده؛ عادت إليه وظيفة الدولة.

فالقصر أحد رموز السيادة، وعودته إلى المشهد كانت إشارة إلى أن العاصمة بدأت تستعيد قدرتها على ممارسة وظائفها السياسية والرسمية. ولم يكن الاحتفاء به احتفاءً بمبنى، بقدر ما كان تأكيداً على أن الدولة تستعيد حضورها في مركزها، بعد مرحلة فرضت فيها الحرب واقعاً استثنائياً على مؤسساتها.

ومن المهم هنا ألا يُفهم انتقال مؤسسات الدولة إلى بورتسودان خارج سياقه. فقد جاء في ظل حرب جعلت الخرطوم ساحة للقتال، فكان استمرار عمل مؤسسات الدولة من هناك ضرورة فرضتها الظروف. ثم تغير المشهد بعد استعادة القوات المسلحة السيطرة على العاصمة، لتبدأ المؤسسات في العودة إلى مواقعها. ولذلك فإن ما جرى لم يكن مجرد انتقال إداري من مدينة إلى أخرى، وإنما جزءاً من مسار استعادة الدولة لمركزها بعد أن أتاح الانتصار الميداني العودة إلى العاصمة.

ولهذا لم يكن من المستغرب أن تمتد هذه الاستعادة إلى المجال الدبلوماسي. فتقديم السفير الإيطالي أوراق اعتماده من الخرطوم يؤكد أن عودة المؤسسات لم تكن شأناً داخلياً فقط، وإنما بدأت تظهر آثارها في علاقة السودان بالعالم. وبحسب «أنسا»، فإن ميغنانو هو أول رئيس بعثة من دولة غربية يقدم أوراق اعتماده في العاصمة منذ اندلاع الحرب، وهي دلالة تتجاوز المراسم إلى ما هو أبعد منها.

فالدبلوماسية الأوروبية لا تعود لأن كل شيء انتهى، وإنما لأن شيئاً بدأ يتغير. قد يكون لتحسن الأوضاع الأمنية دوره، وقد تكون عودة مؤسسات الدولة عاملاً حاسماً، وقد تكون العواصم الأوروبية نفسها بصدد إعادة قراءة المشهد. لكن النتيجة الأهم أن السودان بدأ يستعيد مكانه في الحسابات الدولية، وأن صورته الخارجية لم تعد محصورة في الحرب وتداعياتها.

ومن هذه الزاوية، لا تتوقف دلالة المشهد عند روما. فاستعادة النشاط السياسي والدبلوماسي من العاصمة تفتح الطريق أمام استعادة علاقات السودان مع محيطه العربي والأفريقي، بعد أن فرضت الحرب على البلاد سنوات من الانكفاء والانشغال بأولويات البقاء. واستئناف حضور إيقاد في الخرطوم يعكس، من جانب آخر، عودة العاصمة إلى موقعها داخل محيطها الأفريقي.

وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحاً: المطلوب من الحضور الإقليمي أن يدعم السلام والحل السوداني ويحترم سيادة الدولة، لا أن يتحول إلى بديل عن مؤسساتها أو إلى منصة لإدارة مستقبلها من الخارج.

وهكذا تلتقي الدائرة الأوروبية مع الدائرة العربية والأفريقية عند معنى واحد: السودان يستعيد موقعه في شبكة العلاقات التي أبعدته عنها الحرب.

لكن استعادة هذا الموقع ليست غاية في حد ذاتها. فعودة السفراء ليست سوى فرصة يمكن أن تتحول إلى علاقات سياسية أكثر فاعلية، وشراكات اقتصادية، ودعم لإعادة الإعمار، وحضور أقوى في المحيطين العربي والأفريقي، وعلاقة أكثر توازناً مع أوروبا.

فالسنوات الماضية فرضت على العالم أن يرى السودان من خلال الحرب والنزوح والمساعدات. أما المرحلة المقبلة فتحتاج إلى صورة مختلفة: دولة تستعيد مؤسساتها، تعرف مصالحها، تريد السلام من دون وصاية، وتفتح أبواب التعاون من دون أن تفتح قرارها الوطني.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للدبلوماسية السودانية: هل ستكتفي الخرطوم بأن تستقبل العالم، أم ستنجح في إعادة تقديم نفسها للعالم؟

فتقديم سفير أوروبي أوراق اعتماده من العاصمة مهم، لكنه لا يصنع وحده تحولاً. التحول الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه الإشارات إلى سياسة، وعندما تستثمر الدولة الانفتاح الجديد في إعادة بناء علاقاتها ومصالحها، لا في استئناف المراسم فقط.

ولهذا فإن السفير الإيطالي ليس مجرد اسم جديد في السجل الدبلوماسي. إنه علامة على أن طريقة النظر إلى السودان بدأت تتغير، وأن عودة الدولة إلى مركزها الداخلي بدأت تجد صداها في علاقاتها الخارجية.

وقد تكون الطريق أمام ذلك طويلة ومليئة بالتحديات، لكن تجاهل هذا التحول لا يقل خطأ عن المبالغة فيه. فالدول لا تستعيد حضورها الدولي دفعة واحدة؛ تبدأ بخطوات تتراكم: سفير يقدم أوراق اعتماده، بعثة تستأنف عملها، منظمة إقليمية تعود إلى العاصمة، ثم تتسع الدائرة.

ولهذا فإن الغاية ليست مجرد العودة إلى ما قبل الحرب، وإنما بناء موقع جديد؛ علاقات أكثر توازناً، ومصالح أوضح، وحضور أكثر استقلالاً.

فالحرب حاولت أن تجعل من العاصمة عنواناً للأزمة، بينما تفتح عودة مؤسسات الدولة والدبلوماسية احتمالاً آخر: أن تصبح عنواناً لاستعادة الدولة.

في 25 أغسطس، لم يكن المشهد في القصر الجمهوري مجرد مراسم لتقديم أوراق اعتماد سفير إيطالي. كان مشهداً تختصر فيه مرحلة كاملة: دولة استعادت عاصمتها، ومؤسسات تستعيد مواقعها، ورمز سيادي يستعيد وظيفته، ودبلوماسية أجنبية تبدأ من جديد في التعامل مع السودان من داخل عاصمته.

وحين تبدأ عواصم العالم في طرق باب الخرطوم من جديد، لا يكون الاختبار في فتح الباب فقط، بل في معرفة ما الذي ستفعله الخرطوم بعد أن يُفتح.

فهنا تبدأ المرحلة الأصعب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى