مقالات

لا تجعلوا المليشيا بوصلتنا إلى إسرائيل

بقلم/ رانيا عمر: 

ليست المشكلة في أن المليشيا وصلت إلى إسرائيل؛ المشكلة أن تصبح تحركاتها بوصلة تتحرك الدولة على أساسها.

فالمليشيا التي تخوض حرباً ضد الدولة ستبحث عن السلاح والدعم والغطاء السياسي، وستطرق أبواباً كثيرة ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. لكن الدولة السودانية لا تُقاس خياراتها بما تفعله جماعة مسلحة، ولا تحتاج إلى أن تلحق بها في كل باب تفتحه.

من هنا يأتي الاختلاف مع الزميلة رشان أوشي. فالسؤال ليس: لماذا نترك إسرائيل للمليشيا، ولا لماذا لا نسبقها إليها؛ وإنما: هل ترى الدولة السودانية في العلاقة مع إسرائيل مصلحة تستحق أن تتحول إلى خيار سياسي؟

لا خلاف على أن السودان يحتاج إلى التكنولوجيا والاستثمار والخبرة، خصوصاً في الزراعة والمياه والطاقة والبنية التحتية. ولا خلاف كذلك على أن إسرائيل متقدمة في بعض هذه المجالات. لكن تحويل هذه الحقيقة إلى مبرر لعلاقة سياسية يتجاوز خطوة أساسية: السودان يحتاج إلى التكنولوجيا، لكنه ليس مضطراً للحصول عليها من إسرائيل تحديداً.

وهذا ينطبق على مشروع الجزيرة الذي استشهدت به الزميلة. السودان يحتاج إلى إعادة تأهيل المشروع واستعادة دوره في أن يعود سلة غذاء العالم، ويحتاج إلى رأس المال والتقنية والخبرة. لكن أي شراكة يجب أن تُقاس بشروطها: حماية الأرض، وضمان الموارد المائية، ونقل المعرفة، وحفظ حقوق السودان، وضمان عدم تحول الشراكات إلى حكر دائم، وبقاء القرار في يد مؤسسات الدولة.

هذه معايير تصلح لأي مستثمر أجنبي، ولا تجعل إسرائيل استثناءً؛ لا بالقبول ولا بالرفض.

لكن العلاقة مع إسرائيل لا يمكن اختزالها في مشروع استثماري. السودان دولة مطلة على البحر الأحمر، ذات موقع جغرافي مهم، وموارد واسعة، وامتدادات عربية وأفريقية. لذلك فإن أي علاقة معها ستكون، بالضرورة، أكبر من شركة أو تقنية؛ ستكون قراراً سياسياً واستراتيجياً، وأمنها من أمن المنطقة كلها.

ومن هنا تأتي أهمية الموقف الشعبي أيضاً.

رفض إسرائيل في السودان ليس مجرد إرث للإنقاذ حتى يسقط بسقوطها. صحيح أن النظام السابق جعل موقفه منها جزءاً من منظومته الأيديولوجية، لكن الموقف الشعبي أوسع من ذلك، والتفاعل مع فكرة التعامل مع الكيان يؤكد أن القضية لا تزال حاضرة بقوة في الوعي السوداني.

ولا يعني ذلك أن المواقف لا تتغير. الدول تعيد حساباتها، وقد تراجع علاقاتها عندما تتغير مصالحها. لكن التغيير لا يكون مطلوباً لمجرد أنه يخالف موقفاً قديماً، ولا يصبح براغماتياً لمجرد أنه يفتح باباً جديداً.

المصلحة هي التي يجب أن تحسم، لا الرغبة في تغيير الموقف من أجل التغيير فقط.

والسودان، في الأصل، ليس بلا خيارات أو هوية. لديه موقع استراتيجي، وموارد كبيرة، وساحل طويل على البحر الأحمر، وأراضٍ زراعية، وثروة حيوانية ومعدنية، وعلاقات إقليمية ودولية واسعة. وكل ذلك يمنحه مساحة للحركة وجذب الاستثمار وبناء الشراكات من مصادر متعددة.

لذلك لا ينبغي أن يتحول احتياجنا إلى الاستثمار إلى اعتقاد بأن إسرائيل هي الطريق الأمثل إليه، ولا أن يتحول تحرك المليشيا إلى سبب لإعادة ترتيب أولويات الدولة.

إذا كانت للمليشيا اتصالات أو علاقات خارجية تستخدمها في استمرار حربها ضد الشعب السوداني، فهذه قضية تتعامل معها الدولة بأدواتها السياسية والدبلوماسية والقانونية، وتعمل على وقف كل دعم يطيل أمد الحرب أو يهدد استقرار البلاد ويقوض نظامها. أما أن تتحول تلك التحركات إلى سبب يدفع الخرطوم إلى إعادة ترتيب علاقاتها، فذلك يمنح المليشيا تأثيراً على السياسة الخارجية لا ينبغي أن يكون لها.

وإذا قررت الدولة السودانية في المستقبل إعادة النظر في موقفها من إسرائيل، فهذا حقها الكامل، على أن يصدر القرار من مؤسساتها، وأن تحكمه مصلحة السودان وحساباته الاستراتيجية، لا ردود الأفعال ولا الرغبة في مجاراة أحد. فالسودان يستطيع أن ينفتح على العالم، وأن يجذب الاستثمار والتكنولوجيا، وأن يبني شراكات واسعة مع الشرق والغرب، من دون أن يجعل العلاقة مع إسرائيل شرطاً للانفتاح أو دليلاً على الواقعية.

وهنا يعود السؤال إلى مكانه الصحيح: ليست المسألة من سبق إلى إسرائيل، وإنما من يملك حق تحديد اتجاه السودان. والموقف من إسرائيل يمكن أن يُراجع يوماً إذا تغيرت حسابات المصلحة، كما يمكن أن يبقى إذا ظلت أسباب الرفض قائمة. لكن في الحالتين، يجب أن يكون القرار سودانياً خالصاً، يصدر من دولة تعرف مصالحها ولا تتحرك بإيقاع خصومها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى