مقالات

بين الطين والنور.. استعادة الدهشة في زمنٍ فقد سحره

بقلم/ حسام البر: 

هناك كتب تُقرأ، وكتب تُحاول أن تغيّر الطريقة التي نقرأ بها العالم. ويبدو أن كتاب “بين الطين والنور” للطبيب والكاتب أبوبكر سويط ينتمي إلى النوع الثاني فهو لا يقدم الفلسفة باعتبارها تاريخًا للأفكار، ولا الروحانية باعتبارها عزلة عن العالم، وإنما يضعهما في منطقة ثالثة : منطقة الإنسان الذي يعيش في العالم، لكنه يحاول ألا يفقد المعنى داخله.

ومن هذه الزاوية يبدو الكتاب امتدادًا طبيعيًا لـ “خلف الصورة” وهو الإصدار الأول لذات الكاتب، فإذا كان الكتاب الأول يحرض على النظر خلف الظاهر، فإن الثاني يسأل، بصورة أعمق : ماذا يحدث للإنسان حين يفقد قدرته على رؤية ما وراء الظاهر؟

حين يصبح الطين قدرًا، ويصبح النور احتمالًا :

يحمل العنوان ثنائية الكتاب كلها. فالطين هو ثقل الجسد والحاجة والمسؤولية واليومي والمعتاد ، والنور هو البصيرة والمعنى والدهشة والاحتمالات. لكن سويط لا يقترح الهروب من الأول إلى الثاني؛ إذ إن الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن أرضه كي يصير كائنًا من نور.
لذلك فالمشروع الحقيقي للكاتب والكتاب ليس الخلاص من المادة، وإنما تحرير الإنسان من عبوديته لها؛ أن يعيش في العالم دون أن يتحول العالم إلى سجنه الداخلي.

ما بعد “نزع السحر” :

هل يستطيع الكتاب أن يسحر العالم من جديد؟
ان استدعاء ماكس فيبر ومقولته عن “نزع السحر عن العالم” ليس تفصيلًا ثقافيًا. إنه مفتاح مهم لقراءة الكتاب كله. فالحداثة جعلت الأشياء قابلة للتفسير والقياس والسيطرة، لكنها تركت الإنسان أمام سؤال أكثر قسوة : ماذا نفعل بعالم نفهم آلياته، لكننا لم نعد نشعر بأسراره ؟
لهذا تتكرر في الكتاب صور البحار والطيور والنجوم والغيوم السرمدية . كأن الكاتب يعيد للقارئ العالم القديم في غلالة من الحنين، يعيدنا الى عالم أولي لم تبتلعه بعدُ شهية التملك؛ عالم يستطيع فيه الإنسان أن يقف أمام الطبيعة لا بوصفها موردًا، وإنما بوصفها آيةً للدهشة.

القرآن.. الغائب الذي يحضر في المعنى :

اللافت أن الكتاب رغم كثافة الروحانية التي تسري في نسيجه لا يعتمد كثيراً على الاستشهاد المباشر بالآيات والنصوص الدينية ، ومع ذلك تتردد في طبقاته أصداء شديدة القرب من المخيال القرآني والصوفي : النور، السكينة، الشجرة، الحجب، الكشف، والرحلة من الظاهر إلى الباطن.
هنا لا يستشهد الكاتب بالنص المقدس بقدر ما يكتب في ظلاله.

اللغة.. المعجزة التي تقف على حافة الغيب :

“اللغة تلك المعجزة الخفية” و”الكلمة التي شقت حجب الغيب” : عبارتان تختصران رؤية الكتاب للغة. فالكلمة ليست مجرد وعاء للفكرة؛ إنها فعل كشف. والخيال ليس نقيض العقل، بل أحد شروط المعرفة؛ الكلمة ترفع الستار عن شيء كان موجوداً قبل أن نسميه ومن هنا يصبح الخيال شريكاً للعلم ،لا خصماً له ،فقول الكاتب” ان الخيال في العلم هو البذرة التي تطرح ثمار الاكتشاف” يفتح الباب أمام فهم واسع للخيال : انه القدرة الإنسانية على رؤية الممكن قبل أن يصير واقعاً.

 

“عالم صوفي” آخر؟ أم رحلة مختلفة إلى السؤال القديم؟ :

تذكرنا تقنية الحكايات الرمزية والحوار الفلسفي في الكتاب، من بعض الوجوه، ما صنعه جوستاين غاردر في كتاب “عالم صوفي” ؛ فالشخصيات هنا ليست مجرد شخصيات، وإنما أبواب يدخل منها السؤال الفلسفي إلى الحياة.
غير أن “بين الطين والنور” لا يبدو معنيًا بتلقين الفلسفة بقدر ما هو معني باستدعائها إلى تجربة الإنسان ، فالشخصيات الرمزية فيه ، “سائد، وليان، ونور، وأوريل” ، يتحولون إلى مرايا لأسئلة أقدم من الحداثة نفسها : من نحن؟ ماذا نفعل بحياتنا؟ أين يقف الجمال؟ وما الذي يبقى من الإنسان حين يصبح كل شيء قابلًا للقياس؟
وربما لهذا تبدو وصية أوريل: “أيها الناس لا تقتلوا الخيال في صدور أطفالكم” أكثر من نصيحة تربوية؛ إنها وصية حضارية.
فالعالم الذي يقتل الخيال في طفله، قد يربح إنسانًا يعرف كيف يعمل، لكنه يخسر الإنسان الذي يعرف لماذا يعيش.
ويبدو ان جوهر مشروع أبوبكر سويط المتشكل : ليس أن يهرب بنا من العالم، وإنما أن يعيد السحر إلى أعيننا ونحن ما زلنا نعيش فيه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى