الميدان ليس أرضًا صامتة.. رسالة إلى والي الخرطوم

الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد
ليست كل أرضٍ خاليةٍ مساحةً تنتظر من يضع عليها بناءً، فبعض الأماكن تحمل من ذاكرة الناس ما لا تحمله الجدران.
في ميادين الأحياء القديمة، لم تكن طفولة الأمس تحتاج إلى الكثير؛ مساحة من التراب، ورفاقًا يجتمعون، وصوتًا ينادي من بعيد:
شليل.. سكج بكج.. الحجلة.. سكسك.
هنا كانت تبدأ الحكايات الصغيرة، ومنها تعلّم الأطفال معنى الجماعة، والفرح، والمشاركة. ولم يكن الميدان للصغار وحدهم؛ كان مساحةً تتسع لأهل الحي، ومكانًا للمناسبات الاجتماعية، وللتلاقي والتواصل، ووجهًا من وجوه الحياة التي تصنعها الأحياء بعيدًا عن الجدران المغلقة.
ولهذا، حين يتغير وجه الميدان، لا تتغير قطعة أرضٍ فحسب؛ بل يتغير جزءٌ من ذاكرة المكان.
وفي الحارة 21 بأم درمان، ظهرت آليات في أحد ميادين الحي، وبدأت أعمال حفر تمهيدًا لإنشاء مدرسة خاصة، بحسب ما أفاد به سكان المنطقة ولجنة الحي، وسط رفضٍ منهم لإقامة المشروع في هذا الموقع.
وهنا يجب أن يكون السؤال أوسع من: هل نريد مدرسة أم لا؟
لا أحد يرفض التعليم، ولا ينبغي أن يكون الاستثمار في التعليم موضع خصومة. لكن السؤال الحقيقي هو: هل هذا الموقع مخصصٌ أصلًا كميدان أو فسحة عامة؟ وما الإجراءات التي اتُّبعت قبل تغيير استخدامه؟
فالقانون ليس بعيدًا عن هذه المسألة.
ويأتي قانون التخطيط العمراني والتصرف في الأراضي لسنة 1994م بوصفه الإطار القانوني المنظم لقضايا التخطيط والتصرف في الأراضي، وقد تناولت اختصاصات التخطيط مسألة استخدام الأراضي والفسحات والميادين العامة وإجراءات تغيير الاستخدام عند الضرورة، بما يجعل تغيير وظيفة مثل هذه المساحات أمرًا ينبغي أن يمر عبر القنوات التخطيطية والقانونية المختصة، لا أن يصبح واقعًا تفرضه الآليات قبل أن يعرف أهل المكان مصيره.
ومن هنا، فإن الرسالة ليست ضد مدرسة، ولا ضد مستثمر، ولا ضد التعليم.
إنها رسالةٌ إلى والي الخرطوم:
أن تتوقف المسألة قليلًا، لا لتعطيل التنمية، وإنما لإتاحة الفرصة لمراجعة الوضع التخطيطي والقانوني للموقع، ومعرفة ما إذا كان ميدانًا عامًا ضمن مخطط الحي، وما التصديقات والإجراءات التي سبقت بدء العمل.
فالناس لا تطلب أكثر من أن تعرف ماذا سيحدث لمساحةٍ عاشت بينهم، وعاشوا فيها.
وإن كان الموقع صالحًا قانونًا لهذا الاستخدام، فليكن الأمر واضحًا أمام الناس وبمستنداته وإجراءاته.
وإن كان ميدانًا أو فسحةً عامة، فلتكن حمايته وفق القانون.
فالمدينة لا تُبنى بالجدران وحدها، كما أن التنمية لا تعني أن نخسر كل مساحةٍ تركت لنا شيئًا من طفولتنا وذاكرتنا.
الميدان ليس أرضًا صامتة…
إنه ذاكرةٌ اجتماعية، ومساحةٌ عامة، وحقٌّ لا ينبغي أن يتغير مصيره إلا بالقانون.
ولأن الخلاف حين يتسع يصعب احتواؤه، فإن الحسم المبكر، والشفافية، وسماع صوت أهل الحي، ومراجعة الأمر وفق القانون، قد تكون جميعها كافيةً لمنع مشكلةٍ أكبر قبل أن تبدأ.
سلامٌ وأمان، فالعدلُ ميزان.
عبير نبيل محمد




