مقالات

في زمن الحرب.. تركيا قيادةً وشعبًا ودبلوماسيةً تضمد جراح السودان وتجسد عمق العلاقات

د.عواطف سيد أحمد حمزة:
خبيرة وباحثة متخصصة في العلاقات السودانية التركية
أستاذة العلاقات الدولية – مشارك بالجامعات السودانية
مديرة العلاقات الإقليمية والدولية – جهاز المغتربين السوداني

يعيش السودان، وطن الحضارات والتاريخ العريق، واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث، في ظل الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، وما ترتب عليها من خسائر بشرية ومادية ونزوح واسع النطاق، فضلًا عن تدمير العديد من المؤسسات والبنى التحتية.
وفي خضم هذه الظروف القاسية، برزت مواقف عدد من الدول التي حافظت على حضورها وعلاقاتها مع السودان، ومن بينها تركيا، التي واصلت حضورها السياسي والدبلوماسي والإنساني، وأبقت على قنوات التواصل مفتوحة مع مؤسسات الدولة والشعب السوداني.
وقد كشفت الحرب، بما لا يدع مجالًا للشك، أهمية العلاقات الدولية القائمة على المصالح المشتركة والروابط التاريخية والثقافية والإنسانية، كما كشفت أهمية المواقف التي تتخذها الدول في الأوقات الاستثنائية، بعيدًا عن الحسابات الظرفية.
وفي هذا السياق، تستحق العلاقات السودانية التركية، والدور الذي لعبته الدبلوماسية التركية خلال سنوات الحرب، وقفة للتأمل والقراءة، خصوصًا في ظل استمرار السفير التركي لدى السودان، السيد فاتح يلدز، في أداء مهامه والحفاظ على حضور بلاده في المشهد السوداني.

فاتح يلدز.. دبلوماسية في قلب الأزمة
لم تكن الدبلوماسية التركية في السودان، خلال سنوات الحرب، مجرد تمثيل رسمي داخل السفارة، وإنما اتخذ حضورها أبعادًا سياسية وإنسانية واقتصادية.
وقد برز السفير فاتح يلدز في المشهد السوداني بوصفه دبلوماسيًا حاضرًا في الميدان، متابعًا لأوضاع الجالية التركية، ومتواصلًا مع المسؤولين السودانيين والجهات الإنسانية، ومشاركًا في استقبال المساعدات التركية التي وصلت إلى السودان.
وقد وثقت مصادر عدة مشاركة السفير في استقبال المساعدات الإنسانية التركية في بورتسودان، ومنها سفن حملت مواد غذائية وإيوائية ومستلزمات أساسية للمتضررين من الحرب. ففي مايو 2025، استقبل السودان شحنة مساعدات تركية تضمنت آلاف الأطنان من المواد الإغاثية، بحضور السفير فاتح يلدز.
كما شارك السفير في مشروعات نفذتها وكالة التعاون والتنسيق التركية (TİKA)، من بينها مشروعات صحية وإنسانية في بورتسودان، بما في ذلك افتتاح وحدة للعناية المركزة لحديثي الولادة في أحد المستشفيات.
هذه المواقف تعكس، في تقديري، مفهومًا للدبلوماسية يتجاوز حدود المكاتب والبيانات الرسمية، إلى الحضور في الميدان والتفاعل المباشر مع تداعيات الأزمة.

دبلوماسية القول والفعل
في ظل الحرب وتعدد الروايات حول أسبابها وتداعياتها، أصبحت المواقف الدبلوماسية للدول موضع اهتمام كبير لدى السودانيين.
وقد حافظت تركيا على خطاب يدعو إلى وقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان وسيادته، كما دعا السفير فاتح يلدز المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عملية تجاه الجهات الخارجية التي تدعم قوات الدعم السريع، مؤكدًا أن الاكتفاء بالبيانات لا يكفي لمعالجة الأزمة.
كما أكدت تركيا، على المستوى الرسمي، استمرار اهتمامها بالعلاقات مع السودان وبضرورة وقف النزاع وتحقيق السلام والاستقرار. وتوضح وزارة الخارجية التركية أن العلاقات بين البلدين تستند إلى روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة، وأن تركيا تنظر إلى السودان بوصفه شريكًا مهمًا لها في القارة الأفريقية.
ومن هنا يمكن فهم الحضور التركي في السودان باعتباره مزيجًا من الموقف السياسي والتواصل الدبلوماسي والعمل الإنساني، وهو ما أعطى العلاقات الثنائية قدرة على الاستمرار رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

خطاب سياسي واضح وحضور في الميدان
في الوقت الذي كانت فيه الحرب تفرض واقعًا جديدًا على السودان والمنطقة، حافظ السفير فاتح يلدز على حضور واضح في عدد من المناسبات والأنشطة المتعلقة بالشأن السوداني.
وقد اتسم خطابه، بحسب ما ظهر في تصريحاته ومشاركاته العامة، بالتأكيد على أهمية وقف الحرب، ورفض استهداف المدنيين، وضرورة معالجة الأزمة من خلال الحفاظ على وحدة السودان وسيادته.
وفي يونيو 2026، أكد يلدز أن تركيا تشجع رجال الأعمال الأتراك على استئناف نشاطهم في السودان، مشيرًا إلى أن التعاون الأمني بين البلدين يمثل امتدادًا للعلاقات التاريخية بينهما.
وهنا تكمن أهمية الدبلوماسية في زمن الأزمات: أن تحافظ على قنوات التواصل، وأن تظل قادرة على إيصال الرسائل السياسية، وفي الوقت نفسه لا تغيب عن الملفات الإنسانية التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة.

من المساعدات الإنسانية إلى دعم الاستقرار
لم تتعامل تركيا مع السودان من منظور المساعدات الإنسانية وحدها، بل واصلت العمل في مجالات متعددة.
فقد واصلت وكالة التعاون والتنسيق التركية (TİKA) تنفيذ مشروعات في السودان خلال الحرب، شملت قطاعات الصحة والمياه ودعم الفئات المتضررة، كما استمرت المساعدات الغذائية والإنسانية التركية في الوصول إلى النازحين والمتضررين. وفي مارس 2026، نفذت TİKA برنامجًا لتوزيع المساعدات الغذائية على ألف أسرة من النازحين في منطقة الدبة بالولاية الشمالية.
كما نفذت الوكالة مشروعات أخرى لدعم الأسر المتضررة، من بينها توفير صهاريج مياه لأسر أيتام في بورتسودان، في ظل الضغوط الكبيرة التي فرضتها الحرب على البنية الخدمية.
وهذه المشاريع، إلى جانب المساعدات التي تصل عبر المؤسسات الإنسانية التركية، تؤكد أن العلاقات بين البلدين لم تتوقف عند المستوى السياسي، وإنما امتدت إلى مجالات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

العلاقات السياسية في زمن الحرب
شهدت العلاقات السياسية بين السودان وتركيا استمرارًا واضحًا خلال الحرب، وتوج ذلك بزيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى أنقرة في يونيو 2026، حيث التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وتناول اللقاء العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، وأكد الجانب التركي مواصلة الجهود من أجل وقف نزيف الدم في السودان، إلى جانب استمرار العمل على تطوير العلاقات في مجالات التجارة والزراعة والطاقة والدفاع.
وتكتسب مثل هذه اللقاءات أهمية خاصة في ظل الظروف التي يعيشها السودان؛ إذ إن استمرار التواصل السياسي رفيع المستوى يعكس حرص الطرفين على المحافظة على العلاقة الثنائية، وعلى فتح آفاق جديدة للتعاون خلال المرحلة الحالية وما بعد الحرب.

الاقتصاد والشراكة الاستراتيجية
من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من سنوات الحرب أن العلاقات الاستراتيجية الحقيقية لا ينبغي أن ترتبط فقط بظروف الاستقرار، وإنما تستطيع الصمود في أوقات الأزمات.
ومن هذا المنطلق، يمثل استمرار التعاون الاقتصادي والاستثماري بين السودان وتركيا مجالًا مهمًا ينبغي تطويره، خصوصًا في قطاعات الزراعة والتعدين والطاقة والبنية التحتية والخدمات، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص في البلدين على استكشاف فرص جديدة.
وقد أكد السفير فاتح يلدز في تصريحات حديثة أهمية عودة رجال الأعمال الأتراك إلى السودان واستئناف نشاطهم، وهو ما يشير إلى أن الجانب التركي ينظر إلى السودان أيضًا من زاوية الفرص الاقتصادية المستقبلية، وليس فقط من زاوية الأزمة الحالية.
وهنا يمكن القول إن الشراكة السودانية التركية لا ينبغي أن تنتظر انتهاء الحرب حتى تبدأ، وإنما يمكن تأسيس ملامحها الآن، بحيث تتحول في مرحلة ما بعد الحرب إلى مشروعات عملية في إعادة الإعمار والتنمية.

التعليم.. استثمار في الأجيال القادمة
كان التعليم من أكثر القطاعات التي تأثرت بالحرب السودانية، بعد أن تعرضت الجامعات والمؤسسات التعليمية لأضرار كبيرة، واضطر ملايين السودانيين إلى مغادرة مناطقهم.
وفي هذا السياق، يمثل التعاون التعليمي بين السودان وتركيا أحد أهم مجالات القوة الناعمة في العلاقات بين البلدين.
فالتبادل العلمي والمنح الدراسية واستضافة الطلاب السودانيين في الجامعات التركية يمكن أن يسهم في الحفاظ على مستقبل جيل كامل من الطلاب السودانيين، كما يمكن أن يشكل جسرًا طويل الأمد بين الشعبين.
والعلاقات التي تبنى من خلال التعليم والبحث العلمي غالبًا ما تكون أكثر استدامة؛ لأن الطلاب الذين يتلقون تعليمهم في بلد آخر يصبحون في المستقبل جزءًا من شبكة العلاقات الإنسانية والعلمية والثقافية بين البلدين.

السودان وتركيا.. رؤية للمستقبل
إذا كانت الحرب قد كشفت حجم التحديات التي تواجه السودان، فإنها في الوقت نفسه تفرض التفكير مبكرًا في شكل الدولة والعلاقات الخارجية والاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب.
ومن هنا أرى أن العلاقة مع تركيا يمكن أن تشكل أحد المسارات المهمة في إعادة بناء الشراكات الدولية للسودان، على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل للسيادة.

ومن أهم المجالات التي يمكن التركيز عليها مستقبلًا:
أولًا: توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، خاصة في الزراعة والتعدين والطاقة والبنية التحتية، والاستفادة من الخبرات التركية في تنفيذ المشروعات الكبرى.
ثانيًا: دعم إعادة الإعمار، من خلال الاستفادة من الخبرات التركية في إعادة تأهيل المدن والبنية التحتية والخدمات الأساسية، وفتح المجال أمام الشركات التركية للمشاركة في مشروعات إعادة البناء.
ثالثًا: تطوير التعاون في البحر الأحمر، بما يحقق المصالح المشتركة للسودان وتركيا، ويدعم أمن الملاحة والاستثمار والتنمية في المنطقة، مع مراعاة التوازنات الإقليمية والدولية.
رابعًا: إعادة إحياء مشروع سواكن، والاستفادة من القيمة التاريخية والثقافية للجزيرة، بما يجعلها وجهة سياحية وتاريخية مهمة، ويحافظ على الآثار المرتبطة بالتاريخ العثماني في السودان.
خامسًا: تعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي، من خلال إقامة شراكات بين الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث في البلدين، وتبادل الباحثين والخبرات وتنفيذ مشروعات بحثية مشتركة.
سادسًا: توسيع التعاون في التدريب وبناء القدرات، خاصة في مجالات الإدارة العامة، والصحة، والزراعة، والهندسة، والتقنيات الحديثة، وريادة الأعمال.
إن بناء هذه الشراكة يحتاج إلى رؤية واضحة ودراسات متخصصة واتفاقات عملية، بحيث لا تبقى العلاقات في إطار الخطاب السياسي، وإنما تتحول إلى مشروعات وبرامج يشعر المواطن السوداني والتركي بأثرها المباشر.

تركيا والسودان.. علاقة تتجاوز الظرف
العلاقات السودانية التركية ليست وليدة الحرب الحالية، وإنما تستند إلى تاريخ طويل من التواصل والروابط الثقافية والدينية والإنسانية.
وتؤكد وزارة الخارجية التركية أن البلدين يرتبطان بعلاقات تاريخية عميقة، وأن تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال السودان وافتتحت سفارتها في الخرطوم عام 1956. كما شكلت زيارة الرئيس أردوغان إلى السودان في ديسمبر 2017 محطة مهمة في تطور العلاقات، حيث جرى توقيع عدد من الاتفاقيات وإطلاق آلية للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى.
ومن ثم فإن المحافظة على هذه العلاقة وتطويرها تتطلب الانتقال من مفهوم العلاقة التقليدية إلى مفهوم الشراكة الاستراتيجية، القائمة على المصالح المشتركة، وتبادل الخبرات، والاستثمار، والتعليم، والثقافة، والأمن الغذائي، وإعادة الإعمار.

كلمة أخيرة
في زمن الحرب، تظهر قيمة المواقف، وتصبح الكلمات أقل أهمية إذا لم تسندها الأفعال.
ومن هذا المنطلق، لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر إلى تركيا قيادةً وشعبًا، وإلى الدبلوماسية التركية في السودان، وإلى السفير فاتح يلدز، على ما قدموه من حضور ومساندة ومساعدات خلال هذه المرحلة الصعبة.
والشكر موصول إلى الدبلوماسية السودانية، وإلى كل من يعمل من أجل إبقاء السودان حاضرًا في المشهد الدولي والدفاع عن مصالحه، وإلى كل الدبلوماسيين والباحثين والإعلاميين الذين يعملون في ظروف بالغة التعقيد.
أما السفير فاتح يلدز، ونحن نودعه وهو يغادر موقعه في السودان، فإننا نتمنى له التوفيق في مهمته المقبلة. لقد ارتبط اسمه خلال فترة عمله بالسودان بمرحلة استثنائية وصعبة، شهدت الحرب والنزوح والدمار، وشهدت في المقابل صورًا متعددة من التضامن والمساندة الإنسانية.
وما قدمه خلال هذه المرحلة سيظل جزءًا من سجل العلاقات السودانية التركية، التي نأمل أن تواصل تطورها في السنوات المقبلة، وأن تنتقل من مرحلة الصمود في زمن الحرب إلى مرحلة البناء والشراكة في زمن السلام.
إن السودان يحتاج، بعد انتهاء الحرب، إلى أصدقاء وشركاء يؤمنون بقدرته على النهوض، وإلى علاقات خارجية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن الاستقطاب والمحاور.
وتركيا، بما تمتلكه من تجربة اقتصادية وتنموية وسياسية، وبما يربطها بالسودان من تاريخ وروابط إنسانية وثقافية، يمكن أن تكون شريكًا مهمًا في هذه المرحلة.
إن العلاقات السودانية التركية تمتلك مقومات حقيقية تجعلها قابلة للانتقال إلى مستوى أكثر عمقًا واتساعًا، لتصبح نموذجًا للشراكة القائمة على التاريخ والمصالح المشتركة والإرادة السياسية والتواصل بين الشعبين.

والله الموفق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى