عندما يُغلق الميدان.. من يكتب الحقيقة عن الحرب؟

من غزة إلى السودان ودارفور وسوريا واليمن والعراق، ناقشت ندوة دولية في باريس ما يحدث للصحافة والبحث والعمل الإنساني عندما يصبح الوصول إلى مناطق النزاع مقيداً أو مستحيلاً.
رانيا عمر – باريس – 29 سبتمبر
حين يُغلق الطريق إلى منطقة حرب، لا يغيب الصحفي وحده. تتعقد أيضاً مهمة الباحث الذي يريد أن يفهم ما جرى، والعامل الإنساني الذي يحتاج إلى الوصول إلى السكان، والمؤسسة الإعلامية التي تبحث عن مصدر يمكن التحقق منه.
وبين الحدث ومن يستطيع أن يراه أو يوثقه أو يفسره، تنشأ فجوة قد تحدد ما يعرفه العالم عن الحرب، وما يبقى خارج الصورة.
من هذه الفجوة انطلق النقاش في ندوة «المستجيبون والشهود في الخطوط الأمامية: الأضرار الجانبية للوصول المقيّد أو المحظور»، التي عُقدت في باريس، وجمعت صحفيين وباحثين وعاملين في المجال الإنساني لمناقشة أثر القيود المفروضة على الوصول إلى مناطق النزاع.
امتد النقاش من غزة إلى السودان ودارفور وسوريا واليمن وليبيا والعراق، لكن السؤال ظل واحداً: ماذا يحدث عندما لا يعود الوصول إلى مكان الحدث أمراً ممكناً؟

صحفي داخل الحدث.. وشاهد تحت الخطر
في غزة، تحدثت روان الضامن، المديرة العامة لشبكة أريج للصحافة الاستقصائية العربية، عن بيئة عمل صحفية أصبحت فيها السلامة أوسع بكثير من مجرد تجنب الخطر المباشر.
فالصحفي، كما عرضت، يواجه في الوقت نفسه مخاطر جسدية ورقمية وقانونية ونفسية ومهنية.
وتحدثت الضامن عن عمل أريج في التحقيق في مقتل الصحفيين واستهدافهم منذ ديسمبر/كانون الأول 2023، وعن صحفيين فقدوا كاميراتهم وهواتفهم ومعداتهم.
وفي الوقت نفسه، تنتج غزة كماً هائلاً من الصور والمقاطع والمعلومات التي يعتمد عليها العالم الخارجي في متابعة ما يحدث داخل القطاع.
لكن إنتاج المادة لا يعني بالضرورة وصولها.
وبحسب الضامن، لا تصل كل هذه المواد إلى وسائل الإعلام الدولية الكبرى، وهو ما وصفته بأنه «اضطراب في المعلومات». وربطت الفجوة بين ما ينتجه الصحفيون داخل غزة وما يصل إلى الجمهور الدولي بما اعتبرته قراراً «سياسياً وإعلامياً».
وتحدثت كذلك عن الضفة الغربية، عارضة ما قالت إنه تصاعد في المخاطر والقيود التي يواجهها الصحفيون هناك.
وفي الحالتين، يصبح الصحفي المحلي في موقع شديد التعقيد: فهو داخل الحدث، ويملك القدرة على توثيقه، لكنه في الوقت نفسه يعيش المخاطر التي يغطيها.
وهذه ليست مجرد مسألة تتعلق بمن يحمل الكاميرا. فعندما يغيب الصحفي القادم من الخارج، يتسع الاعتماد على الصحفي الموجود في الداخل، وتصبح شهادته وصوره ومقابلاته جزءاً أساسياً من المواد التي يُبنى عليها الخبر خارج منطقة النزاع.

من يملك الوصول إلى الحقيقة؟
عادل زعنون، رئيس مكتب وكالة فرانس برس في غزة، والذي يعمل مع الوكالة منذ عام 1994، تحدث من موقع مختلف: موقع صحفي عاش حروباً متعددة ولاحظ كيف تغيرت شروط العمل في الميدان.
وقال زعنون إن الخطر كان موجوداً في حروب سابقة، لكن الصحفيين كانوا يستطيعون في أحيان كثيرة الانتقال بين مناطق مختلفة والوصول إلى مواقع الأحداث، رغم المخاطر.
أما في الحرب الحالية، فوصف الوضع بعبارة مباشرة: «الخطر في كل مكان».
وبالنسبة إلى زعنون، لم تكن آثار الحرب مهنية فقط. فقد تحدث عن تضرر منزله ومكتبه وسيارته ومعداته، وعن أثر الحرب على أسرته. وهو أب لخمسة أطفال.
وفي واحدة من أكثر لحظات شهادته شخصية، تحدث عن ابنته التي باتت تربط كلمة «صحفي» في ذهنها بالدمار والموت، وقال إنها تريد أن تصبح شرطية حتى تتمكن من ملاحقة بنيامين نتنياهو.
وبعيداً عن الموقف السياسي الذي تعكسه هذه الرغبة، تكشف القصة شيئاً آخر: الحرب لا تنتهي عند حدود المادة التي يرسلها الصحفي إلى مؤسسته. فهي تدخل إلى البيت، وتعيد تشكيل الطريقة التي ينظر بها أبناؤه إلى مهنته وإلى العالم المحيط بهم.
لكن تجربة زعنون تطرح أيضاً سؤالاً مهنياً أكثر اتساعاً: ماذا يحدث للصحافة عندما يصبح الصحفي نفسه جزءاً من البيئة التي يفترض أن يراقبها من مسافة؟
في بعض الحروب، كان الوصول إلى الميدان صعباً وخطراً، لكنه كان ممكناً. وعندما تصبح الحركة والوصول أكثر تقييداً، لا يخسر الصحفي فرصة رؤية الحدث فقط؛ بل تخسر المؤسسات أيضاً إحدى وسائل اختبار الروايات المتنافسة في المكان الذي وقع فيه الحدث.

عندما يصبح المصدر جزءاً من القصة
كانت هذه النقطة في صلب مداخلة ماريا غابريلسن جومبرت، الباحثة المشاركة في مركز الدراسات والأبحاث الدولية (CERI) في Sciences Po والباحثة في معهد أبحاث السلام في أوسلو (PRIO)، التي لديها خبرة بحثية في السودان وجنوب السودان ودارفور، إلى جانب عملها على صراعات، من بينها سوريا واليمن وليبيا والعراق.
وبالنسبة إليها، كانت غزة مختلفة عن تجارب سابقة، ليس لأن الوصول إلى مناطق الحرب كان سهلاً في السابق، وإنما لأن بعض المسارات التقليدية التي كان يمكن من خلالها الوصول إلى الميدان أو إلى مصادر متعددة أصبحت غير متاحة بالطريقة نفسها.
في حروب سابقة، قد تتأخر المعلومات أياماً، وقد يواجه الباحث أو الصحفي صعوبات كبيرة في الوصول، لكن وجود أكثر من طريق إلى المكان أو إلى الشهود كان يسمح ببناء صورة تدريجية للأحداث.
أما عندما يُغلق هذا الطريق، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيداً: كيف تُبنى المعرفة عن حرب لا يستطيع الباحث الوصول إلى مكانها؟
هنا يصبح مصدر المعلومة جزءاً من القصة نفسها.
من التقط الصورة؟ أين؟ ومتى؟ من نقل الشهادة؟ ماذا رأى المصدر بنفسه، وماذا نقله عن آخرين؟ وهل يمكن مقارنة روايته بمصادر مستقلة؟ وما السياق الذي قد يكون غائباً لأن شخصاً آخر لم يستطع الوصول إلى المكان؟
هذه ليست أسئلة نظرية. فهي تحدد الطريقة التي تنتقل بها المعلومة من شهادة محلية إلى رواية تصل إلى جمهور دولي.
ومع تقلص الوصول الخارجي، يصبح الصحفي المحلي أكثر حضوراً في سلسلة إنتاج المعلومات: شاهداً، ومصوراً، ومراسلاً، ومصدراً في الوقت نفسه. لكنه يؤدي هذه الأدوار من داخل منطقة الخطر، وبموارد وحماية قد لا تكون كافية دائماً.
وهنا تلتقي تجربة الصحفي مع تجربة الباحث. فكلاهما يحتاج إلى مصادر يمكن الوصول إليها، ومعلومات يمكن فحصها، وسياق يسمح بفهم ما وراء الصورة أو الشهادة.
حين يصبح الوصول شرطاً للعمل الإنساني
بالنسبة إلى نيكوليتا أنتونيني، نائبة رئيسة الوفد ومنسقة الحماية للوفد الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر في باريس، تتخذ المشكلة شكلاً مختلفاً، لكنها تبدأ من النقطة نفسها.
العامل الإنساني يحتاج إلى الوصول ليس فقط كي يعرف ما يحدث، وإنما كي يتمكن من العمل.
وعندما تصبح الحركة محدودة، تتعقد القدرة على تقييم الاحتياجات، والوصول إلى المجتمعات المتضررة، والتواصل مع السكان والسلطات والأطراف المختلفة.
وتزداد الصعوبة عندما تنتشر المعلومات المضللة، لأن ذلك قد يؤثر في فهم طبيعة العمل الإنساني، ومن يقوم به، ولماذا يحتاج العاملون إلى الوصول إلى مناطق النزاع.
وهكذا يجتمع الصحفي والباحث والعامل الإنساني أمام المشكلة ذاتها، حتى لو اختلفت أهدافهم: الوصول شرط لمعرفة ما يحدث والتعامل مع آثاره.
لكن الوصول ليس مجرد عبور نقطة تفتيش أو دخول منطقة جغرافية. إنه سلسلة تبدأ من مكان الحدث ولا تنتهي إلا عندما تصبح المعلومات قابلة للفهم والتحقق والوصول إلى الجمهور.
يقع الحدث، يراه شخص، يوثقه، ينقله إلى صحفي أو باحث، تُفحص المادة، يوضع الحدث في سياقه، ثم تصل الرواية إلى الجمهور.
وكلما انقطعت حلقة من هذه السلسلة، أصبحت الصورة أكثر نقصاً.
قد تصل صورة من دون صاحبها. وقد تصل شهادة من دون إمكانية للتحقق منها ميدانياً. وقد تصل معلومة صحيحة لكنها تفتقد السياق الذي يفسرها. وقد يبقى حدث كامل خارج دائرة الاهتمام الدولي لأنه لم يجد طريقه إلى مؤسسة تستطيع متابعته.
من يبقى شاهداً عندما يُغلق الميدان؟
لهذا كان النقاش في باريس يتجاوز سؤالاً مهنياً محدوداً حول صعوبة دخول الصحفيين إلى مناطق الحرب. القضية أوسع: من يستطيع أن ينتج المعرفة عندما يصبح الميدان مغلقاً؟
في غزة، كما عكست الشهادات خلال الندوة، أصبح الصحفي المحلي في موقع بالغ الحساسية. فهو يعيش الحرب ويوثقها في الوقت نفسه، ويقدم للعالم مواد قد لا يستطيع الآخرون الوصول إليها، بينما يتحمل بنفسه آثار البيئة التي يعمل فيها.
وفي الخارج، يضطر الصحفي والباحث إلى إعادة بناء الصورة من خلال شهادات ومواد رقمية ومصادر عن بُعد، مع الحاجة إلى قدر أكبر من التدقيق في المصدر والسياق وإمكانات التحقق.
أما العامل الإنساني، فيحتاج إلى الوصول كي يستطيع تقييم الاحتياجات والاستجابة لها والتواصل مع السكان.
في الحالات الثلاث، لا يؤدي إغلاق الميدان إلى اختفاء الحدث. لكنه يغيّر الطريق الذي تنتقل من خلاله رواية الحدث إلى العالم.
وقد تكون لذلك آثار تتجاوز اللحظة نفسها. فالمعلومات التي يصعب الوصول إليها اليوم قد تصبح لاحقاً جزءاً من محاولات فهم الحرب وتوثيقها ودراستها، بينما يمكن أن تتحول الفجوات التي نشأت أثناء النزاع إلى فجوات في السجل الذي سيبقى بعد انتهائه.
من هنا يعود السؤال الذي جمع المتحدثين في باريس إلى نقطة أبسط وأثقل في الوقت نفسه:
عندما يُغلق الميدان، من يبقى شاهداً؟
ليس الشاهد فقط من رأى الحدث، بل من استطاع أن يوثقه ويحفظ أثره وينقله، ومن وجد في الخارج من يستطيع فحص شهادته ووضعها في سياقها وإيصالها إلى الجمهور.
وحين تضيق الطرق أمام هؤلاء، لا تختفي الحرب من العالم، لكن يصبح الوصول إلى حقيقتها أكثر صعوبة.



