أخبار وتقارير

من كينيا إلى ملاوي وتشاد.. كيف تكشف قضية جنرال مالاوي طريقاً للسلاح إلى السودان؟

تقرير- رانيا عمر: 

بدأت القصة بوثيقة يفترض أن تحدد وجهة معدات عسكرية، وانتهت أمام القضاء المالاوي بطريق يمتد عبر ثلاث دول قبل أن يصل إلى السودان. وبين البداية والنهاية يظهر اسم قائد سابق لقوات الدفاع المالاوية، وطائرة تحمل رقماً محدداً، ومستودع شحن في ليلونغوي، وشهادة مستخدم نهائي تقول السلطات المالاوية إن المعدات كانت مخصصة بموجبها لقواتها، قبل أن تغادر البلاد باتجاه تشاد.

هذه التفاصيل ظهرت في قضية الجنرال السابق بول فالنتينو فيري، الذي اعتقلته هيئة مكافحة الفساد المالاوية في الأول من أكتوبر 2026، ووجهت إليه خمس تهم تتعلق بإساءة استخدام المنصب، ومخالفة إجراءات المشتريات، والتعامل في ممتلكات تصفها السلطات بأنها مرتبطة بالإرهاب. وفي تطور جديد نشرته صحيفة «ذا نيشن» المالاوية في 3 أكتوبر، منحت محكمة ليلونغوي فيري الكفالة وحددت 12 نوفمبر موعداً لبدء محاكمته، بينما أكدت صحيفة «تايمز غروب» المالاوية في اليوم نفسه أن القضية تتعلق بتسهيل نقل معدات عسكرية من كينيا باتجاه السودان خلال يونيو ويوليو 2025.

لكن ما يجعل القضية جديرة بالاهتمام في السودان ليس اسم الجنرال ولا قرار الإفراج عنه بكفالة، وإنما ما تقوله صحيفة الاتهام عن المعدات نفسها. فبحسب الرواية التي قدمتها الدولة المالاوية أمام المحكمة، جرى في 18 يونيو 2025 إصدار شهادة مستخدم نهائي تفيد بأن المعدات مخصصة لقوات الدفاع المالاوية، وهو ما كان يفترض أن يحدد بوضوح الجهة التي ستتسلمها. غير أن مسار المعدات، وفق الاتهامات، لم يتوقف عند هذه الوجهة.

تقول صحيفة الاتهام إن فيري وجّه ضباطاً تابعين له إلى تخليص طائرة تحمل التسجيل SUSKG، على أساس أنها تنقل المعدات المخصصة لقوات الدفاع المالاوية، كما تتهمه إحدى القضايا بإتمام عملية شراء المعدات بصورة منفردة وبما يخالف إجراءات المشتريات. ثم تأتي النقطة التي تنقل القضية من مخالفة إدارية داخل مؤسسة عسكرية إلى مسار عابر للحدود: المعدات، وفق ملف القضية، وصلت إلى مستودع الشحن الجوي في ليلونغوي قادمة من كينيا، قبل أن تُخرج من ملاوي باتجاه تشاد.

وهكذا يبدأ الطريق في كينيا، يمر بملاوي، ثم ينتقل إلى تشاد، في مسار تقول السلطات المالاوية إنه كان متجهاً في النهاية إلى السودان. وهذه هي المعلومة التي تمنح القضية بعداً يتجاوز حدودها المحلية، لأن شهادة المستخدم النهائي تصبح هنا أكثر من مجرد وثيقة إدارية؛ فهي تمثل نقطة يمكن من خلالها مقارنة الوجهة المعلنة للمعدات بالمسار الذي سلكته فعلياً، وتحديد أين تغيرت وجهتها ومن كان يملك القدرة على تمريرها إلى المحطة التالية.

ومن هذه النقطة تحديداً تظهر أسئلة لم تجب عنها المعلومات المنشورة حتى الآن. إذا كانت المعدات قد خرجت من كينيا ووصلت إلى ملاوي، فمن الجهة التي سلّمتها هناك؟ ومن أدرج اسم قوات الدفاع المالاوية باعتبارها المستخدم النهائي؟ ومن طلب نقلها بعد ذلك إلى تشاد؟ والأهم، من كان الطرف الموجود في نهاية هذا المسار؟

ولا تقدم الطائرة التي تحمل التسجيل SUSKG الإجابة كاملة، لكنها تضيف خيطاً يمكن تتبعه. فسجلات الطيران العامة تربط التسجيل بطائرة شحن من طراز إيرباص A321-231P2F تعمل لدى شركة «سكاي فيجن إيرلاينز». غير أن معرفة مشغّل الطائرة لا تعني معرفة صاحب الشحنة، ولذلك تبقى الإجابة عن هذه الحلقة مرتبطة بوثائق الشحن والعقود وسجلات الجمارك والطيران، وهي مستندات يمكن أن تكشف الجهة التي طلبت النقل والجهة التي دفعت تكلفته والاسم الذي ظهرت به الشحنة عند مغادرتها كينيا.

وهنا تحديداً تصبح القضية المالاوية ذات قيمة بالنسبة للسودان. فالمحاكمة المقبلة قد لا تكشف فقط ما إذا كان المسؤول المالاوي السابق قد خالف الإجراءات أو أساء استخدام منصبه، وإنما يمكن أن تكشف أيضاً وثائق تحدد مصدر المعدات، وطريقة دخولها إلى ملاوي، والجهة التي تعاملت معها، والوجهة التي غادرت إليها. وكل وثيقة من هذا النوع يمكن أن تكون نقطة جديدة في تتبع مسارات السلاح والمعدات التي وصلت إلى مليشيا الدعم السريع.

وهذا المسار ليس منفصلاً عن العمل الذي تقوم به المؤسسات السودانية. فقد أعلنت وزارة العدل السودانية في مارس 2025 إنشاء لجنة لإقامة ومتابعة الدعاوى الدولية ضد مليشيا الدعم السريع وقادتها والدول المساندة لها، ومن بين مهامها جمع الأدلة ودراسة الخيارات القانونية والتحرك على المستويين الإقليمي والدولي. وفي يوليو 2026 أعلنت الوزارة أن اللجنة المعنية بالدعاوى الدولية تواصل جمع الأدلة المتعلقة بالأسلحة التي استخدمتها مليشيا الدعم السريع، بما في ذلك الأسلحة والمعدات المضبوطة والشهادات والتقارير الصادرة عن جهات رسمية دولية.

لذلك فإن ما يجري في ليلونغوي لا ينبغي أن يبقى بالنسبة للخرطوم خبراً عن محاكمة مسؤول عسكري سابق. فهناك ملف قضائي محدد، وشهادة مستخدم نهائي مؤرخة، وطائرة محددة التسجيل، وبلد مصدر للمعدات، ومحطة عبور، وبلد آخر خرجت إليه الشحنة، ثم مسار مرتبط بالسودان. وهذه كلها عناصر يمكن جمعها وربطها بما لدى السودان من أدلة، بدلاً من التعامل مع كل واقعة باعتبارها حادثة منفصلة.

ويأتي دور المؤسسات السودانية هنا بصورة واضحة. فوزارة العدل هي الجهة الأهم في تحويل ما يثبت من مستندات ووقائع إلى مسار قانوني، بينما تستطيع وزارة الخارجية متابعة الاتصالات الرسمية مع السلطات المالاوية والجهات المعنية في الدول التي يظهر ارتباطها بالمسار، في حين يمكن للمؤسسات العسكرية المختصة المساعدة في تحديد طبيعة المعدات ومقارنتها بما تم ضبطه أو رصده في السودان. وبذلك لا تكون متابعة المحاكمة مجرد رصد إعلامي، وإنما جزءاً من عملية أوسع لتوثيق الطريق الذي سلكته المعدات.

والوقت هنا مهم. فموعد المحاكمة حُدد في 12 نوفمبر، وهذا يعني أن أمام الجهات السودانية فترة واضحة لمتابعة الملف والحصول، عبر القنوات المناسبة، على ما يمكن الوصول إليه من وثائق وإجراءات. فالإفراج عن فيري بكفالة لا يغلق القضية، كما أن الحكم النهائي ليس النقطة الوحيدة التي تستحق المتابعة؛ إذ يمكن لجلسات المحكمة نفسها أن تكشف أسماء ووثائق وتفاصيل لا تظهر في الأخبار الأولية.

وإذا أكدت الإجراءات القضائية لاحقاً الوقائع المتعلقة بمسار المعدات، فإن قيمة القضية ستتجاوز المسؤول المالاوي الذي يقف أمام المحكمة إلى الطريق الذي تكشفه القضية خلفه: معدات تبدأ رحلتها من كينيا، تدخل ملاوي بوثيقة تحدد مستخدماً نهائياً، تمر عبر منشأة شحن وطائرة محددة، ثم تغادر إلى تشاد في مسار مرتبط بالسودان.

عندها لن يكون السؤال فقط ماذا فعل الجنرال المالاوي السابق، بل ماذا تكشف أوراق القضية عن الرحلة التي سبقت وصول المعدات إلى ملاوي والرحلة التي أعقبت خروجها منها. ومن أرسل الشحنة في البداية؟ ومن حدد وجهتها الحقيقية؟ ومن تولى نقلها بين المحطات؟ ومن كان ينتظر وصولها في النهاية؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل من القضية المالاوية خيطاً يستحق أن تتابعه الخرطوم حتى آخره، لأن قيمة أي دليل لا تكمن في مكان العثور عليه، وإنما في قدرته على أن يقود إلى الدليل الذي يليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى