الجماعة الوظيفية في السودان.. من كتشنر إلى الدولة المستعمِرة

سامر بدرالدين:
لا يمكن فهم أزمة الدولة في السودان باعتبارها صراعاً على الموارد والسلطة فحسب، بل باعتبارها صراعاً بين نموذجين معرفيين. المسألة ليست من يحكم، بل من أين اكتسب الحاكم نموذجه المعرفي الذي يحكم به وما هي السمات التي تشكل هذا النموذج ولصالح من تكون نتيجة هذا الحكم بذاك النموذج.
لقد أدرك الاستعمار الإنجليزي مبكرا أن بقاءه لا يتطلب جيشا كبيرا، بل يتطلب تحويل المجتمع إلى مادة استخدامية. فأنشأ لهذا الغرض مؤسستين مركزيتين سيكون لهما ،فيما بعد، الدور الأهم في تشكيل وصناعة ليس الواقع السياسي فقط بل يمتد الأمر ليشمل التأثير على المزاج الثقافي العام عبر أذرع الدولة المختلفة والمعدة لمثل هذا الدور وهنا أتحدث عن كلية غردون التذكارية (1902) والجيش السوداني بعد ذلك بما يربو على العقدين.
يقدَم لنا الدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- مفهوم الجماعات الوظيفية وفق نموذجه التفسيري والذي يصور لنا هذه الجماعات كأدوات وظيفية داخل المجتمعات الكبرى، حيث تمنح أدواراً محددة (اقتصادية، سياسية أو فنية) بحيث تخدم مصالح القوى المهيمنة مقابل امتيازات او حماية، لكنها تبقى معزولة عن النسيج الاجتماعي العام.
ورغم أن الدكتور المسيري قدم لنا هذا التصور في إطار دولة الاحتلال وضرب لنا مثلاً بالأرمن في زمن الدولة التركية حيث اشتغلوا بجمع الضرائب للعثمانيين واليهود الذين عملوا كمستشارين ماليين لملوك أوروبا في عصورها الوسطى، لكن هذا المفهوم يسهل تطبيقه بسهولة شديدة على واقعنا المعاصر باعتبار نموذج الدولة المدنية الحديثة المستعمر الجديد.
يظهر هنا مفهوم الجماعة الوظيفية عند المسيري في أجلى صوره: الخريج السوداني لكلية غردون لم يكن متعلما فحسب، بل كان مُعاد تشكيله. تم نزعه من بنيته العضوية – القبيلة، الخلوة، السوق – وأُعيد زرعه في بنية وظيفية – الإدارة، المكتب، اللغة الإنجليزية. فأصبح، بتعبير المسيري، إنسانا وظيفيا، أحادي البعد، لا ينتمي إلى شعبه انتماءً حضاريا، بل ينتمي إلى الجهاز الذي وظفه انتماءً نفعيا. وعندما خرج المستعمر، لم تختفِ الوظيفة، بل تغير المستفيد منها. هذا هو جوهر أطروحة الدولة المستعمِرة. الدولة السودانية بعد 1956 لم تفكك مصنع النخب الاستعماري، بل ورثته. فحولت النخبة الغردونية والعسكرية إلى جماعة وظيفية جديدة، لها نفس سمات جماعة المسيري الأربع:
1. العزلة الشعورية: نخبة الخرطوم تتحدث عن السودان بلغة الخبراء الدوليين – إصلاح هيكلي، مجتمع مدني، حوكمة – بينما يعيش الإنسان السوداني في عالم آخر تماما، عالم الحواكير والنزوح في الأطراف ودوامة لا نهاية لها في ترتيب المعاش والحرب اليومية للبقاء على قيد الحياة في المدن الحضرية إن جازت التسمية. فجوة لغوية، لكنها في العمق فجوة وجودية يمكن لمسها والتحقق منها من خلال استعراض كل الحلول التي توفرها تلك النخبة من وجهة نظرها دون أن تراعي أو حتى أن تكلف نفسها عناء السؤال: هل ترضي تلك الحلول الشعب؟ ولنا أن نستعرض كل تلك الاتفاقيات الفاشلة وكل تلك الحلول الكسيحة وكل خطابات المسئولين التي تبدو لنا بلهاء، فارغة لا قيمة لها بل وحتى مثيرة للضحك والسخرية والشفقة معاً في اغلب الاحايين.
2. التمركز حول الذات المستعمِرة: ولاء هذه النخبة لم يعد للمستعمر الخارجي، بل للدولة المركزية في الخرطوم التي تمنحها الامتياز. الدولة هي الحامي الجديد. فدافعت عنها ضد الهامش، تماما كما دافعت الجماعات الوظيفية القديمة عن المستعمر ضد الأهالي، وهنا تبدو أطروحة دولة 56 ساذجة، سخيفة وغير مقنعة على الاطلاق: ذلك ان الانتماء لهذه النخبة هو انتماء ثقافي وليس عرقي إذ ان هاتان المؤسستان قد ضمتا كل الأعراق السودانية والتي سرعان ما تخلصت من هويتها الاثنية لصالح الهوية الجديدة ويظهر هذا جلياً في حالة الاغتراب التام في كل شيء بدءاَ من المظهر مروراً بما اكتسب من عادات جديدة وانتهاءً بتطلعات لا تتسق ابداً مع مسقط الرأس.
3. الحياد الأخلاقي والتوظيف المزدوج: وهنا تتجلى براعة الدولة المستعمِرة. وظفت نفس الجماعة الوظيفية لوظيفتين متناقضتين ظاهريا:
للضبط والقمع: المؤسسة العسكرية كأداة لفرض نموذج الدولة بقوة السلاح.
للتزيين والاستخفاف: المؤسسة التعليمية والثقافية كأداة لطرح حلول لا يحتاجها المواطن، وإنتاج خطاب فوقي يستخف بعقول الناس ويُقزّم تطلعاتهم في شعارات مستوردة لا جذر لها.
4. قابلية الاستبدال: الجماعة الوظيفية لا تاريخ لها ولا قداسة. يمكن استبدال ضابط بضابط، وخبير بخبير، طالما بقيت الوظيفة. لهذا ظل النموذج مستمرا رغم تغير الأنظمة من عبود إلى البشير إلى ما بعدهما.
الخلاصة أن السودان لم يعانِ من فشل نخبة كما يتردد دائماً، بل من نجاح نخبة في أداء وظيفتها تماما كما صُممت لها: أن تكون وسيطا معزولا بين المستعمِر الجديد (الدولة) وبين شعب يُنظر إليه كمادة استخدامية يجب إدارتها لا خدمتها والحل -إن كان هناك حل- فانه بلا شك يبدأ من تشخيص المشكلة وادراك ابعادها الحقيقية وعدم الانسياق وراء اللغط السياسي والانقياد وراء حالة الاصطفاف الاعمى ومن ثم على المجتمع أن يدرك دوره وعدوه الحقيقي في هذا الصراع ولينظر لتجارب الدول التي مرت بأزمات مماثلة -وهي كثيرة- كيف استطاعت ان تنجح وان تنهض من جديد.

