كتب توثّق الحروب وأخرى تقرأ العلاقات الدولية.. وشعراء وفنانون يرسمون ملامح التنوع العربي في معرض الكتاب بباريس

تقرير- رانيا عمر – باريس:
ما الذي يجمع بين غابات الأمازون ودارفور، وبين توثيق حرب في السودان وقراءة مسار العلاقات الفرنسية القطرية؟ قد تبدو هذه القضايا متباعدة جغرافيًا وموضوعيًا، لكنها التقت في أمسية ثقافية بباريس، كشفت عن تنوّع اهتمامات الكتّاب العرب بين تسجيل الوقائع، وتحليل العلاقات الدولية، واستكشاف جذور الصراعات عبر الأدب، إلى جانب حضور الشعر بوصفه مساحة أخرى للتعبير عن التجربة العربية. ففي المدينة الجامعية الدولية بباريس، مساء الأربعاء 21 أكتوبر 2026، جمعت إحدى أمسيات الملتقى الدولي للكتاب العربي في فرنسا كتّابًا وباحثين وشعراء وصحفيين ومثقفين من بلدان عربية مختلفة، في لقاء تجاوز عرض الإصدارات إلى مناقشة أسئلة التاريخ والسياسة والذاكرة والإنسان.
واحتضن بيت مصر في المدينة الجامعية الدولية بباريس فعاليات الدورة الثالثة من الملتقى، الذي انطلق عام 2024 بمبادرة من مجلة «كل العرب»، بالتعاون مع اتحاد الصحفيين والكتاب العرب في أوروبا. وجاءت الأمسية لتؤكد قدرة الكتاب العربي على فتح نوافذ متعددة على الواقع، سواء من خلال البحث في العلاقات بين الدول، أو تسجيل التحولات السياسية والحروب، أو الاقتراب من الصراعات الاجتماعية عبر الرواية، وصولًا إلى الشعر الذي منح اللقاء بُعدًا إنسانيًا مكمّلًا.
وفي حديثه عن فكرة الملتقى، أوضح الأستاذ علي المرعبي، رئيس تحرير مجلة «كل العرب» والأمين العام لاتحاد الصحفيين والكتاب العرب في أوروبا، أن إطلاق المعرض في باريس عام 2024 جاء بهدف إبراز الهوية والثقافة العربيتين، وإتاحة مساحة للكتاب العربي في العاصمة الفرنسية. وأشار إلى أن اختيار المدينة الجامعية الدولية لم يكن اعتباطيًا، لما تحمله من رمزية بوصفها فضاءً يلتقي فيه أشخاص من ثقافات وبلدان مختلفة.
وقال الأستاذ علي المرعبي إن الإقبال الذي شهدته الدورات الثلاث يعكس الاهتمام بالثقافة العربية والثقة التي توليها الأوساط الثقافية لهذه المبادرة. كما لفت إلى أن مشاركة كتّاب ومثقفين قدموا من بلدان عربية مختلفة، إلى جانب مشاركين من أستراليا وجنين في فلسطين، أضفت على اللقاء طابعًا متنوعًا، وجعلته مساحة للتواصل بين تجارب ثقافية متباينة.
ولم تقتصر المشاركة على عرض الكتب، بل شملت أسماء أدبية وشعرية من تونس والمغرب واليمن ومصر وبلدان عربية أخرى، إلى جانب الروائي والأكاديمي الجزائري واسيني الأعرج. ورغم الظروف الأمنية والاضطرابات التي شهدتها باريس وفرنسا يوم افتتاح الفعاليات، استمر الحضور، فيما تعذرت مشاركة بعض السفراء العرب لأسباب أمنية حالت دون حضورهم.
وأكد الأستاذ علي المرعبي أن الملتقى منفتح لأستقبال مشاركات الجميع و لا يستهدف تمثيل دولة أو تيار سياسي بعينه، بل ينطلق من استقلاليته عن الدول والأنظمة والأحزاب والمنظمات، ويركز على الثقافة والأدب العربيين. كما أشار إلى أن نشاط مجلة «كل العرب» يمتد إلى تنظيم فعاليات ثقافية في بلدان عربية وأوروبية، من بينها الجزائر والمغرب ومصر والأردن وفلسطين وبلجيكا وهولندا، في مناسبات تتصل باللغة العربية وحرية الصحافة وحقوق المرأة.
وأوضح أن المبادرة ترحب بالإنتاج الثقافي العربي على اختلاف أشكاله، مع رفض الأعمال التي تروّج للعنصرية أو التمييز العرقي أو الطائفي والمذهبي، انطلاقًا من رؤيتها للثقافة بوصفها مجالًا للتواصل، لا لتعميق الانقسامات بين الشعوب .
ومن بين الإصدارات التي حضرت في الأمسية كتاب الدكتور سعود مطيع الأحبابي «العلاقات الجيوسياسية الفرنسية القطرية»، الصادر باللغة الفرنسية، والذي يتناول مسار العلاقات بين البلدين منذ عام 1971، عبر ثلاث مراحل رئيسية.
ويركز الكتاب على تداخل المصالح السياسية والدفاعية والثقافية في تشكيل العلاقة بين باريس والدوحة، وعلى دورالروابط اللغوية والثقافية في بناء الثقة بين الجانبين. وفي المقابل، لا يغفل الخلافات التي ظهرت بينهما بشأن ملفات إقليمية، من بينها سوريا واليمن وتداعيات الربيع العربي، موضحًا أن تباين المواقف لم يؤدِّ إلى إنهاء العلاقات أو قطع مسارها.
وتناول الدكتور سعود مطيع الأحبابي كذلك أهمية البُعد الدفاعي في العلاقة، مستعرضًا جذور الاتفاقيات العسكرية بين الطرفين، وما مثّلته من إطار للتعاون في مراحل مختلفة. كما تطرق إلى توظيف الرياضة والاستثمار والإعلام في تعزيز الحضور والنفوذ، وهي أبعاد تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية إلى أدوات التأثير السياسي والاقتصادي والثقافي.
ويأتي اختيار الكتاب للغة الفرنسية في سياق مخاطبة القارئ الفرنسي، وتقديم قراءة للعلاقات الثنائية من منظور بحثي يتناول المصالح المشتركة ومناطق الاختلاف معًا. وفي ختام حديثه، وجّه الدكتور سعود مطيع الأحبابي الشكر إلى قطر ومؤسساتها الأكاديمية وأصدقائه وأسرته، وخصّ والدته بإهداء الكتاب، في لفتة شخصية أضفت على النقاش الأكاديمي جانبًا إنسانيًا.
ومن العلاقات بين الدول إلى توثيق التاريخ والتحولات السياسية، قدّم الأستاذ يحيى إبراهيم النيل كتابه «بين النيل والسين»، الذي يتناول العلاقات السودانية الفرنسية، في محاولة لقراءة مسارها التاريخي والدبلوماسي والثقافي، وربط الماضي بتطورات الحاضر.
وأوضح الأستاذ يحيى إبراهيم النيل أن الكتاب صدر بالعربية في يناير 2024، متضمنًا ثلاثة فصول، من بينها فصل يرصد شخصيات سودانية عاشت في فرنسا، وأخرى فرنسية عاشت في السودان، إلى جانب شخصيات أسهمت في الروابط التجارية والدبلوماسية والثقافية بين البلدين. أما النسخة الفرنسية، فتضم الفصلين الأول والثاني، مع تحديث مادتهما حتى 22 يوليو 2026، بما يشمل تناول الموقف الفرنسي من الحرب المستمرة في السودان.
ويتتبع الكتاب، في جزئه التاريخي، العلاقات منذ عام 1830، ثم ينتقل إلى العلاقات الرسمية بين البلدين منذ استقلال السودان عام 1956. وبهذا، لا يكتفي العمل باستعراض المحطات الدبلوماسية، بل يسلّط الضوء أيضًا على الأشخاص والروابط التي أسهمت في تشكيل العلاقة بين المجتمعين.
غير أن المشروع التوثيقي للأستاذ يحيى إبراهيم النيل لا يقتصر على العلاقات السودانية الفرنسية، بل يمتد إلى تسجيل التحولات السياسية التي شهدها السودان، وفي مقدمتها ثورة ديسمبر والحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023. وفي هذا السياق، قدّم الأستاذ النيل كتابه «حرب 15 أبريل في السودان – الجد في الاحتطاب لإشعال الحريق»، الصادر عن دار «كل العرب» في باريس، والذي يتناول مواقف القوى السياسية الفاعلة في السودان خلال العام السابق لاندلاع الحرب، في محاولة لرصد الوقائع والسياقات التي سبقتها وتوثيقها.
ويأتي هذا العمل امتدادًا لاهتمام الأستاذ النيل بتسجيل الأحداث وقت وقوعها، بدلًا من تركها عرضة لتضارب الروايات أو إعادة تفسيرها بعد مرور الزمن. وقد أوضح أن اختلاف التفسيرات السياسية للثورات السودانية السابقة، ومنها ثورة أكتوبر، دفعه إلى الاهتمام بحفظ الوقائع وتسجيلها قبل أن تتنافس التيارات المختلفة على تفسيرها أو نسبتها إلى نفسها.
ويعتمد الأستاذ يحي علي حد تعبيره، في عمله على الصحف والمواقع الإخبارية وصفحات الأحزاب والتنظيمات، إلى جانب متابعته اليومية للأخبار والتصريحات، مستفيدًا من خبرته المهنية في رصد الوقائع وتسجيلها. وللحفاظ على أكبر قدر ممكن من الحياد، أوضح أنه يتجنب إدخال الأحكام السياسية في صياغة الأحداث، ويحرص على توثيق التصريحات وتواريخها، بما في ذلك حالات التراجع عنها أو نفيها لاحقًا، مع إثبات التصريح الأصلي والنفي وتاريخ كل منهما. كما يولي أهمية لإيراد مصادر المعلومات، بما يتيح للباحثين والقراء تتبّع الوقائع والتحقق منها.
وهكذا، يلتقي كتاب «بين النيل والسين»، الذي يتناول العلاقات السودانية الفرنسية، مع كتاب «حرب 15 أبريل في السودان – الجد في الاحتطاب لإشعال الحريق» عند اهتمام الأستاذ يحيى إبراهيم النيل بالتوثيق وحفظ الذاكرة؛ سواء تعلق الأمر بمسار العلاقات بين بلدين، أو بالوقائع والمواقف السياسية التي سبقت اندلاع الحرب في السودان. وفي الحالتين، يتجاوز التوثيق مجرد تسجيل الأحداث إلى توفير مادة يمكن الرجوع إليها لفهمها في سياقها التاريخي والسياسي.
وبما أن الأستاذ يحيى إبراهيم النيل يتعامل مع الحرب والتحولات السياسية من زاوية التوثيق المباشر للوقائع وحفظها من النسيان والتأويل، فإن الدكتور علي عبد القادر يقترب أكثر من الصراعات من مدخل أدبي مختلف، مستعينًا بالرواية لاستكشاف ما وراء النزاعات على الأرض والموارد، وما تتركه من آثار في حياة المجتمعات. ومن هذا المنظور، تنتقل الأمسية من تسجيل الأحداث وتحليلها إلى استكشاف جذور الصراع عبر الأدب، من خلال روايته المكتوبة بالفرنسية «حرب الغابات»، الصادرة عن دار «كل العرب» في باريس.
وتنطلق الرواية من المقارنة بين النزاعات المرتبطة بالغابات والأراضي في منطقة الأمازون، ولا سيما في البرازيل، والصراعات في دارفور. وفي الحالتين، تتداخل مصالح السكان المحليين، الذين يعتمدون على الأرض والمياه والزراعة ومصادر الرزق، مع مشروعات التنمية والاستثمار واستخراج المعادن والأخشاب، وما قد يصاحبها من تهجير وتنافس على الموارد.
ولا يقدّم العمل الصراع في صورة مبسطة تفصل بين أطراف واضحة الخير وأخرى واضحة الشر، بل يترك للقارئ مساحة للتفكير وتكوين موقفه، مستفيدًا من قدرة الرواية على عرض التجارب الإنسانية وتعقيداتها، بعيدًا عن لغة التقارير السياسية المباشرة.
وفي حديثه عن اختياره الكتابة بالفرنسية، أوضح الدكتور علي عبد القادر أنه يسعى إلى إيصال القضايا السودانية إلى القارئ الفرنسي، وإتاحتها أمام الجامعات ومراكز البحث التي قد لا تتوفر لها دائمًا أعمال كافية باللغة الفرنسية عن التاريخ السياسي والاجتماعي السوداني. وفي الوقت الذي يكتب فيه الرواية بالفرنسية، ينشر مقالات سياسية بالعربية.
وتكشف تجربة «حرب الغابات» عن إمكانات الأدب في وصل قضايا تبدو متباعدة جغرافيًا، من خلال البحث في جذورها المشتركة، مثل التنافس على الموارد، وعلاقة المركز بالأطراف، وتأثير القرارات السياسية والاقتصادية في حياة المجتمعات المحلية. فالرواية هنا لا تكتفي بسرد حكاية، بل تفتح بابًا لقراءة الصراع من زاوية الإنسان والأرض معًا.

وبين الكتب التي انشغلت بالتاريخ والسياسة والحرب، حضرت القصيدة لتمنح الأمسية مساحة أخرى للتعبير، بمشاركة الشاعرة السودانية تسنيم طه، والشاعرة إيماض بدوي، إلى جانب شعراء آخرين من مصر وتونس والمغرب العربي. وعكست المشاركات الشعرية تنوع الأصوات والتجارب العربية الحاضرة في الملتقى، وقدّمت جانبًا إبداعيًا مكمّلًا للنقاشات التي دارت حول الكتب وقضاياها.
كما ألقى الأستاذ يحيى إبراهيم النيل قصيدة خلال اللقاء، في حضور جمع بين تجربته في التوثيق واهتمامه بالتعبير الشعري. وأتاح هذا التنوع فرصة للتجاور بين الكتابة التي تسعى إلى تسجيل الوقائع وحفظ تفاصيلها، والقصيدة التي تقترب من التجربة الإنسانية عبر المشاعر والصور واللغة المكثفة.
ولم يكن الشعر منفصلًا عن بقية محاور الأمسية؛ فبينما فتحت الكتب أسئلة تتصل بالعلاقات الدولية والحروب والذاكرة، أتاح الشعر سبيلًا آخر إلى الإنسان، بما يختزنه من تجارب وانكسارات وآمال. وهكذا، اتسعت صورة الثقافة العربية في الملتقى لتجمع البحث والتوثيق والرواية والشعر، وتكشف عن تعدد الأدوات التي يلجأ إليها الكتّاب والمبدعون لفهم الواقع والتعبير عنه.
وفي ختام الفعالية ، شمل التكريم الكتّاب والمؤلفين المشاركين، من خلال ميداليات وشهادات تقدير. وشاركت مؤسسة «كل العرب» في التكريم، فيما تولّى الأستاذ علي المرعبي والأستاذ محمد الأسباط، عن اتحاد الصحفيين والكتاب العرب في أوروبا، تقديم الميداليات للمشاركين، تقديرًا لإسهاماتهم ومشاركتهم في الملتقى. كما وُزّعت كتب وروايات مجانًا على الحضور، في مبادرة أتاحت للجمهور فرصة اقتناء إصدارات والتعرّف عن قرب إلى أعمال الكتّاب المشاركين.
وتُختتم الدورة الثالثة من الملتقى الدولي للكتاب العربي في فرنسا يوم السبت 24 أكتوبر، بحفل موسيقي يضيف بُعدًا فنيًا إلى البرنامج الثقافي.
وبين كتاب يقرأ العلاقات الفرنسية القطرية، وآخر يوثّق الروابط السودانية الفرنسية، وكتاب يرصد المواقف السياسية التي سبقت حرب 15 أبريل في السودان، ورواية تربط غابات الأمازون بدارفور، وأصوات شعرية تتجاور في فضاء واحد، قدّمت أمسية باريس صورة متعددة للثقافة العربية؛ صورة لا تختزل الكتاب في موضوع واحد، ولا تحصر الكاتب في دور محدد، بل تكشف كيف يمكن للبحث والتوثيق والرواية والشعر أن تلتقي، رغم اختلاف أدواتها، عند محاولة فهم العالم وتسجيل تحوّلاته والاقتراب من الإنسان الذي يعيشها.



