السودان يصنع بدائله من المحنة

د.خالد محمد علي:
من ثمن الرغيف إلى أجرة المواصلات وساعات انقطاع الكهرباء تتجلى الأزمة الاقتصادية في تفاصيل الحياة اليومية للسودانيين. ومع اتساع الأعباء المعيشية تبرز الحاجة إلى حلول تستند إلى موارد البلاد وإمكاناتها وتحولها إلى خدمات تخفف كلفة الحياة وتعيد الإنتاج إلى الواجهة. فالذرة والدخن والسكك الحديدية والمركبات الكهربائية والطاقة الشمسية تمثل بدائل واعدة لكن فعاليتها تظل رهينة بقدرة الدولة على الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ وتحويل هذه الإمكانات إلى منافع يشعر بها المواطن.
في قطاع الغذاء تمثل الذرة الرفيعة والدخن والذرة الشامية والبقوليات والمحاصيل المحلية فرصاً لتنويع السلة الغذائية وتقليل الاعتماد على القمح المستورد مع مراعاة اختلاف العادات الغذائية بين المناطق الجغرافية. وتتحمل الدولة مسؤولية تنفيذية تبدأ بتوفير التقاوي والتمويل والإرشاد الزراعي وتأهيل مشروعات الري وتمتد إلى دعم المطاحن ومرافق التخزين والنقل والتسويق. كما يتعين عليها تشجيع الصناعات الغذائية المحلية وضمان انسياب المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق. ويُقاس نجاح هذا البديل بانخفاض أسعار السلع الغذائية الأساسية واستقرار توافرها وتحسن دخل المزارعين وتراجع الاعتماد على الواردات.
في قطاع النقل تمثل السكك الحديدية خياراً عملياً لخفض كلفة نقل الركاب والبضائع وربط مناطق الإنتاج بالأسواق فيما تفتح توجهات مجموعة جياد نحو المركبات الكهربائية وشراكاتها في هذا المجال آفاقاً لتطوير خيارات نقل أقل اعتماداً على الوقود التقليدي. وتقع على الدولة مسؤولية إعادة تأهيل خطوط السكك الحديدية والقاطرات والمحطات وتوفير ميزانيات التشغيل والصيانة وتحسين الإدارة وانتظام الرحلات. كما يتطلب تطوير النقل الكهربائي إنشاء بنية تحتية للشحن وتوفير الحوافز اللازمة للتصنيع المحلي ونقل التقنية وتشجيع الاستثمار في هذا المجال. ويظهر الأثر المعيشي لهذا البديل في انخفاض أجرة المواصلات وكلفة ترحيل السلع والمحاصيل وتحسن انتظام حركة النقل وتراجع أثر أسعار الوقود على ميزانيات الأسر.
في قطاع الطاقة تمثل الطاقة الشمسية حلاً عملياً لتشغيل مضخات المياه والري وإسناد المنازل والمستشفيات والمنشآت الصغيرة في ظل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للكهرباء خلال الحرب. وتتمثل مسؤولية الدولة في تنفيذ برامج لتوسيع استخدامها وتوفير التمويل الميسر للأسر والمزارعين والمنشآت الصغيرة وتسهيل استيراد مكوناتها وتشجيع تصنيعها محلياً إلى جانب تدريب الفنيين ومراقبة جودة المعدات وضمان خدمات التركيب والصيانة. كما يتطلب الأمر تنسيقاً مع قطاع الكهرباء لدمج الأنظمة الشمسية في منظومة الإمداد حيثما أمكن. ويُقاس نجاح هذا البديل بتراجع ساعات انقطاع الكهرباء وانخفاض كلفة تشغيل المضخات والمنشآت وتحسن انتظام إمدادات المياه واستمرار الخدمات الأساسية.
لكن قبل المضي في تبني هذه البدائل على نطاق أوسع يبرز سؤال يستحق التوقف عنده: هل قيّمنا ما نُفذ منها من تجارب ومبادرات؟ وإلى أي مدى انعكست نتائجها على حياة المواطنين؟ إن التقييم الموضوعي ينبغي أن يستند إلى مؤشرات موحدة تشمل خفض كلفة المعيشة وتحسين توافر السلع والخدمات وتعزيز دخل المواطنين وفرص كسبهم. فمن خلال هذه المعايير يمكن قياس جدوى التجارب وتحديد مواطن النجاح والقصور وتوجيه الإنفاق العام نحو البدائل الأكثر أثراً. فنجاح البدائل لا يُقاس بالإعلان عنها بل بما تحققه من تحسن ملموس ومستدام في حياة الناس.
هل نملك الجرأة لاتخاذ القرار وصناعة البديل؟.



