محجوب حسين يقرأ مع مناوي مكتوب هدنته” الإنفصالية”!! 2/2

الهدنة الإنفصالية.. و الحاجة إلى تأمين النيل من… وإلى الدلتا شمالا!!
…. و في سياق سردية أرشفة البدايات للذي لا يعلم، حاول نظام البشير تقسيم سلطة مناوي وفق اتفاق ابوجا، على أن يتولى فيها كبير مساعدي الرئيس فقط و تؤول السلطة الإقليمية الى الراحل د. عبدالرحمن موسى، رئيس حركة تحرير السودان” الإرادة الحرة، احدى الواجهات الحكومية التي انشأها د. مجذوب الخليفة لإضعاف عبدالواحد النور. عندئذ كانت لعبة الكبار، فيها حاول جناح من التحرير الذي ننتمي على تمرير خطة تقطيع المنصب إلى جزئين، وفيها تمكنا من قلب الطاولة مع جزء من فريق التحرير و إلغاء قدوم مناوي إلى الخرطوم بعدما اكتملت التجهيزات لإستقباله، حيث خضع نظام الحكم آنذاك للضغوط، و وصف الكاتب الاسلاموي الإصلاحي د. الطيب زين العابدين تلك الازمة بين التحرير و الوطني بقوله ” اول إصابة يسجلها التحرير في مرمى المؤتمر الوطني بسبب بلادة الاخير على حد قوله ” و بعدها بساعات اصدر ” المتعالي” الحاكم ترسيمه وفق ما تم الاتفاق عليه ” كبير مساعدي رئيس الجمهورية و رئيس السلطة الإقليمية لدارفور” قبل وصوله إلى الخرطوم.
أتنقل من ترميز مساعد ” الحلة” و في ربط مع ما سبقه من الحفريات و النحت المناويين إلى متن مقالته و العصب المركزي فيها، إن الأمر كله يتمحور حول العبارة الدقيقة و في لغة مضغوطة، العبارة اللغم ” الهدنة الانفصالية” و التي يمكن إعتبارها نحت او حفر إصطلاحي جديد في القاموس السياسوي السوداني و ربما على علوم الصراع نفسه، و ياتي هذا النحت بعدما راجت اخبار و أنباء عن حراك دولي و اقليمي و وطني يتحدث عن هدنة مطلوبة، و أي هدنة تعني لدي الكثير من المدارس السياسية المتخصصة في علاقات النزاع و الحرب، أنها مدخل ترتيب لتسويات سياسية منتظرة لصراع الثنائيات الضدية في االسودان “الظاهرة”، حيث تلتف الظاهرة السودانية حول عناوين كثيرة، منها مبهمة و اخرى ملتبسة و اخرى خطيرة و كلها محقة ما دام السودان في مرحلة تدقيق حالته التاريخية و الذي لا يتحدد معرفيا في الإجابة المستهلكة و الجاهزة، مثل القول القائل ” من يحكم السودان؟! بل كيف يحكم السودان؟! ” و إنما معرفيا وفق هذا الحراك التاريخي و اعمدته، هو بحث تقرير مصير السودان بين السودانيين و في سيناريوهات متعددة و كلها صحيحة الى ان تاتي بما يتجاوزها.
كمرد مناوي توصل في تأويلاته السياسوية الى ان مدخل الهدنة يعني الانفصال، انفصال مِن مٓن او عن من؟! و المرجح هنا، هدنة تؤسس لإنفصال الغرب الكبير عن الشمال الكبير او العكس بعدما سقط العقد الوطني السابق لخلل في البنية الرخوة التي تستند إلى فسيفسائية سودانية عجزت عن إنشاء اي علاقة برغماتية تؤسس لفكرة العيش المشترك النفعية المتبادلة بين كل المحددات الجهوية و القبائلية التي تحولت اليوم إلى مرتكز سياسوي شعبوي و مصدر إنتاج الشعبوية السياسوية السودانية حاليا، و معلوم في هذا الاتجاه، ان إنهيار الامم او إضمحلال بنياتها التنظيمية كانت في شكل مؤسسة دولة او جهة او قبيلة فيها يستشرى الخطاب الشعبوي القائم على الولاءات التحتية عند انهيار الامم او المجتمعات. و وفق التشريح الفوكوي للجزيئيات، نحن في مراحل متقدمة من الانهيار و الاضمحلال و البحث عن كانتونات سودانية!! عليه، إن لم تتحرك الإرادة الوطنية المبدعة و تتجاوز فيها منظومة التفكير التقليدانية ذات التراث الميت العقيم المخصي الذي لا ينتج إلا سوسيولجيا الفشل و إعادة إنتاج الرأسمال الميت و هو تطور مصاحب لوعي الغنيمة و إنتاج تشكيلات ريفية للسيطرة على المال العام، و النموذج الاكثر وضوحا تمثله الجبهة الإسلامية التي اتجهت إلى الريف بتوظيف الاسلام الشعبي، فيما اليسار اتجه إلى الحضر، هذا البون خلق إشكالية منهجية في اليسار السوداني. و طبقة الريف كانت و لا تزال عصب المرتكز الاقتصادي.
هذه الهدنة التي اصطلح عليها ب ” الهدنة الانفصالية”، هي ترتيب لموازين القوى المنتجة للبنى الفوقية، و بالتالي نتاجها يمكن تسميته بالهدنة “التقسيمية او التسووية”، لتجاوز سؤال إنفصال من عن من!؟،و الاخير مبرر، ليست مخيفا كما تصوره بعض الآراء بالذات في الجهة الغربية!!، لأن المشروع الدولتي السوداني المتعثر تاريخيا، ما زال مشروعا سائلا ، دولة رملية لم تستقر محدداتها بعد، و قاعدة التغيير فيها تخضع افقيا للجغرافيا الغربية دون غيرها من الجغرافيات، لذلك البحث في صيغة المستقبليأت، كما يقول مفكر علم المستقبليات، المفكر المهدي المنجرة، أن علم المستقبل يقوم على دراسة الواقع / الحيثيات، التنبؤ بما يهم و يقدس الإنسان لا الجغرافيا!! و هي عبارة دقيقة إن قمنا بتبيئتها في الواقع السوداني، حيث لا يمكن أن تكون الجغرافيا أكثر قداسة و اهمية من الإنسان الذي يعيش فوقها. لذا مهمآٓ ان يعمل بلاط التمركز التاريخي على بناء اتفاق امني استراتيجي لحماية النيل يبدا جنوبا من سنار إلى الدلتا!! و هي تدابير تمنع اي احتمالات هجومية من الاطراف الغربية، و هو استحقاق لابد ان ياخذ طريقه بعد طي صفحة الحرب و صعوبة ترتيبات وطنية جديدة. يبقى مهما بناء ترتيب و حماية النيل في الأفق الأسترتيجي.
بالعودة إلى سردية الهدنة ” الانفصالية” التي اخذت خطابها السياسي في التموقع و التمفصل، و فيها أوجه تتسم بالواقعية، سيما و أن تاريخ شعوبها هو تاريخ دم كمعامل ثابت و إن القوى الاجتماعية ما عادت تتحمل عبء مفاهيم الوحدة و الجغرافيا و السيادة بعد هذه الخلخلة التاريخية، فيها تزحزحت التابوهات و كل المرجعيات السائدة في سابق العهود. هذه الهدنة ، حتى تتحول إلى “هدنة وحدوية” تحتاج إلى صك وطني جديد يسمي المانفستو الوطني، يؤسس على المرجعيات الوطنية و في نقطتين حصرا، الاولى، الوطن في وحدته و سيادته و في الثانية، ترتيبات وطنية تؤسس للدولة
الوطنية الثانية عبر فكرة حوار تقرير مصير السودان بين السودانيين.
مقترح هذا المانفستو يفترض تأسيسه قبل ما يسمونه ب” فك الحياد”، و المضي اليوم في تأطير “المشتركة” من مفهوم عسكري أداتي وظيفي في المنظومة إلى مفهوم سياسي و فكري لإنجاز الشراكة عوض المشاركة، هو نفسه مشروع كتلوي على الصيغة الغرامشية و اولى شروط إستلاف المصطلح/ المفهوم يرتبط بالازمة الوطنية، بذلك تستطيع تجاوز افقها الحركي إلى الافق الكتلوي، حيث ما عادت الحركات تعبرعن بنيات الحاضر السياسي و تحولاته، ومفهوم “الحركة” نفسه بحاجة إلى مقاربة نقدية جديدة، تتجاوز فيها البنى الحركية و هي بنى قريبة للغنائمية وفق المفهوم الجابري في نقد العقل العربي القائم على ثالوث ” القبيلة و السلطة و الغنيمة”.




