مقالات

​مدارس المليارات بالقضارف.. تعليم تحت لهيب الزنك وبيوت متهالكة تسكنها الكثافة!

​بقلم/ عزالدين عوض الكريم ابوناصر: 

​في الوقت الذي تئن فيه ميزانيات الأسر تحت وطأة ضغوط اقتصادية بالغة التعقيد تبرز في ولاية القضارف ظاهرة تستوجب التوقف والمراجعة الدقيقة؛ حيث تحول التعليم الخاص من رافد يسند الدولة ويخفف العبء عن القطاع العام إلى استثمار يلتهم المليارات مقابل بيئة تعليمية تفتقر لأدنى مقومات السلامة والتربية الحديثة.

​أرقام فلكية وواقع مرير
​ليس من المبالغة القول إن الرسوم الدراسية في المدارس الخاصة بالقضارف باتت تُحسب بالأرقام المليارية وهو مبلغ يفترض أن يضمن للطالب بيئة نموذجية ومرافق تعليمية متطورة لكن الصدمة تبدأ عند عتبات هذه المؤسسات فبدلاً من الصروح التعليمية المصممة هندسياً لاستيعاب الطلاب نجد بيوتاً مستأجرة متهالكة تمت إعادة تقسيمها قسراً لتصبح فصولاً دراسية لا تليق بآدمية الطالب ولا قدسية العلم.

​الزنك ودرجات الحرارة..
​في ولاية تُعرف بمناخها القاسي ودرجات حرارة تتجاوز حاجز الـ 40 درجة مئوية تبرز الكارثة الكبرى سقوف من الزنك كيف لطالب أن يستوعب درساً أو لمعلم أن يبدع في العطاء وهو محاصر تحت صفيح ساخن يحول الفصل الدراسي إلى فرن بشرى وغياب التهوية الطبيعية واستبدال الخرسانة بالزنك في ظل هذه الكثافة الطلابية العالية لا يمثل سوى استرخاص لسلامة الطلاب الجسدية والنفسية وضرب بعرض الحائط لكل معايير الجودة التعليمية.

​أزمة المرافق كثافة طلابية وشح في الخدمات

​المفارقة لا تتوقف عند الجدران والسقوف بل تمتد لتشمل البنية التحتية الأساسية فالملاحظ في هذه المدارس هو التكدس الطلابي الذي يفوق الطاقة الاستيعابية للمباني السكنية أصلاً ويقابله نقص حاد ومخجل في عدد الحمامات والمرافق الصحية هذا الوضع لا يهدد فقط بانتشار الأمراض والأوبئة في بيئة مزدحمة بل ينسف مفهوم البيئة المدرسية الجاذبة ويحول اليوم الدراسي إلى رحلة من المعاناة اليومية للطالب الذي ربما احجم عن دخول الحمام حتي عودته للمنزل.

​أين الدور الرقابي؟
​إننا أمام وضع شائه فالمدارس الخاصة التي يُفترض أن تكون شريكاً في الجودة أصبحت في كثير من نماذجها بالقضارف عبارة عن مشاريع تجارية بامتياز تعتمد على سياسة الحد الأدنى من التكاليف والحد الأعلى من الأرباح.
​إن تراجع التعليم الحكومي وضغط الأعداد المتزايدة لا يمنح الضوء الأخضر لتحويل التعليم إلى سلعة رديئة تُباع بأغلى الأثمان وإن وزارة التربية والتعليم والجهات الرقابية في الولاية مطالبة اليوم بوضع حد لهذا التردي، وفرض معايير هندسية وبيئية صارمة فلا يعقل أن يدفع ولي الأمر المليارات ليجلس ابنه تحت لهيب الزنك وفي مبانٍ آيلة للسقوط.

​خلاصة القول:
التعليم رسالة قبل أن يكون تجارة، وما يحدث في بعض مدارس القضارف الخاصة هو هدم للعملية التربوية تحت غطاء بنائها وإنقاذ مستقبل أبنائنا يبدأ من إصلاح هذه البيئة المشوهة وإعادة الاعتبار لقيمة العلم التي لا تُشترى بالمليارات لتُهان في الغرف المتهالكة ولسنا ضد التعليم الخاص الذي له الكثير من الإيجابيات لكننا ضد جمع المال وإهمال الأساسيات التي ينبغي ان توفرها المدارس الخاصة للطلاب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى