مقالات

رمضان محجوب.. يكتب:. أنواء الروح: شهادة قلم عاصر الانكسار

الحلقة التاسعة عشرة: (عُبور الرُّعب)

​■ بدأت الشمس ترسل أشعتها الأولى كخيوط واهية فوق جبين الأرض، حين اقتربنا من تقاطع قندهار؛ تلك النقطة الفاصلة التي باتت تفصل بين الحياة والموت في زمن العبث، فهنالك تتبدى ملامح الدمار والفوضى والخراب كبصمة قبيحة على وجه “العاصمة المثلثة” بفعل حرب لا تُبقي ولا تذر.
​▪️ بدت حافلتنا التي تقلنا وهي تبحر في عباب هذه الفوضى كأنها قطعة خشبية تائهة في محيط هائج، حيث السيارات المحترقة وأخرى “مشلعة” ومنهوبة ملقاة على جانبي الطريق بعد أن طالتها أيدي “الشفشافة” من أعوان المليشيا، أولئك الذين استمرأوا نهب أموال وبيوت وسيارات المواطنين الأبرياء، وحولوها إلى ركام صامت ينعى أصحابه وتاريخهم المنهوب.
​■ عند وصولنا إلى التقاطع، كانت الفوضى تمشي على قدمين؛ مشهد مأساوي يختزل ضياع وطن، مئات “الأوباش” المدججين بالسلاح يقودون عشرات السيارات المنهوبة يستعرضون بها قواهم المزعومة وسط المواطنين العُزّل، بينما كانت الطائرات الحربية تحلق في سماء هذه المنطقة الملتهبة، في طنين لا يغيب يوماً دون أن يعقبه قصف جوي مركز على تجمعات هؤلاء الذين استباحوا الحرمات.
​▪️ وسط هذا الهلع والترقب وصلنا إلى قلب التقاطع، وتوقفت الحافلة عند “الارتكاز” اللعين، ليصعد إلينا أحد أفراد المليشيا يترنح في مشيته، يبدو أن بقايا “سُكْرٍ” وغياب وعي منذ البارحة لم يفارقه بعد، سألنا بفظاظة تقطر حقداً وغطرسة: “انتو ماشين وين؟”.
​■ أجابه البعض بخوف موارًى نحو سوق ليبيا، وأشار آخرون إلى قندهار، فقال بلهجة جافة: “ناس قندهار ينزلوا”، نزلنا من الحافلة وهو يتفحصنا واحداً تلو الآخر بنظرات ارتياب وشك، كأننا غنائم حرب أو طرائد هاربة.
​▪️ سألنا بسخرية مرّة: “انتوا معردين وين؟” ثم أردف بتبجح سمج: “ما تقعدوا عشان تحضروا الديمقراطية الجاياكم؟”، لم يجبه أحد منا، فقد كانت القلوب قد بلغت الحناجر، فضلاً عن أن أعمالهم الإجرامية كانت تجيب بليغاً عن أقوالهم الجوفاء.
​▪️ تركنا رفاق الرحلة الذاهبين إلى سوق ليبيا في معية ذاك “الرويبضة المخمور” جالب الديمقراطية الزائفة بوهج البندقية، ليواصل محاضرته السمجة في الشؤون السياسية والعسكرية.
​■ كان “الرويبضة المخمور” يؤكد لنا بلكنته الغريبة أن “أمير مملكة دقلو” سيتوج ملكاً على السودان، وأن الرخاء قادم لا محالة، ضحكت سراً وبكيت جهراً على تلك “الكوميديا السوداء” التي صاغت فصولها ورسمت سيناريوهاتها قوى ظلامية جاءت كأنها من كوكب آخر لتدمير هذا الوطن الجميل.
​▪️ في تقاطع قندهار مشاهد تلخص بكل دقة تفصيلية مأساة الحرب، ولعل الأشد رعباً كما ذكرت سابقاً هو ذاك التواجد الكثيف لعناصر المليشيا مع تحليق الطيران الحربي، مما يولد حالة رعب جعلت أحد الركاب يطلق مقولته الشهيرة: “من ينوي الدخول إلى قندهار عليه ترديد الشهادتين قبل دخولها”، فهي منطقة “الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود”.
​■ لم تكن الحافلة “الكوستر” التي ستقلنا إلى مدني بأفضل حال من البؤس العام، فقد كانت عبارة عن بقايا مكنة وهيكل ومقاعد متهالكة، أوقفتها “مخالفات المرور” اليومية جبراً أمام منزل صاحبها لسنوات بعدما أنهكت جيبه، قبل أن تعيدها مقتضيات الحرب وحوجة الفارّين من جحيم الخرطوم إلى الخدمة القسرية مجدداً.
​▪️ سرحت بخيالي مشفقاً على تلك الحافلة المتهالكة قبل أن أشفق على حالنا، نحن الذين إن نجونا من رصاص الارتكازات فلن ننجو من “وعثاء” سفر شاق على طريق ترابي وعر تتخلله البرك والخيران الممتلئة بمياه خريف باكر، رحلة تبدأ من قندهار وتمر بالصالحة ثم قرى الريف الجنوبي وجبل أولياء والقطينة وصولاً للدويم والمناقل ومدني.
​■ كنت أفكر كيف لهذه “الجثة الخردة” أن تقطع مسافة تتجاوز الأربعمائة وخمسة وعشرين كيلومتراً، وهي مسافة تفصل بين الموت المتربص في قندهار والسراب الذي قد نلقاه في مدني، قبل أن يقطع حبل أفكاري صوت السائق وهو يهمس لي من النافذة بسؤال مريب: “انت واصل وين يا حاج؟”.
​▪️ استغربت لسؤاله وهو الذي قبض قيمة تذاكر الرحلة حتى منتهاها في مدني بعد أن علم أن جيوبنا قد أُفرغت تماماً، فأجبته بوجل: “إلى مدني… في شنو؟ إن شاء الله خير؟”، كشف لي السائق سر سؤاله حين قال إن “فرد الاستخبارات” التابع للمليشيا سأل عني تحديداً، وأشار بيده إلى “جنجويدي” يجلس في عربة منهوبة ينظر إليّ “شزراً”، حينها شعرت ببرودة تسري في أوصالي.
​■ لم تكن البرودة خوفاً على نفسي، بل خشية على “عبد الخالق” الذي كان يرافقني كظلي في هذه المحنة، رجع السائق يتحدث مع الجنجويدي وهما ينظران إلينا بريبة.
​▪️ لم أشأ أن أقلق عبد الخالق أو أتركه نهباً للظنون، فانسحبت خلسة وتوكلت على الله، واتجهت صوب فرد الاستخبارات قبل أن يأتي هو إلينا، فكرت أن حضوره للحافلة يعني استجواب الجميع، وقد ينتهي الأمر باعتقال عبد الخالق، وهو ما لا أطيق احتماله في هذه الظروف العصيبة. عند وصولي إلى العربة، نظر إليّ سائق الحافلة معاتباً وكأنه يخشى عليّ من الهلاك، سألني: “خير يا حاج مالك نزلت؟”.
​■ أجبت بصوت حاولت جهدي أن يكون ثابتاً، متصنعاً بأنني جئت أسأل “الجاهزية” عن صيدلية قريبة لشراء دواء لارتفاع الضغط، فعلت ذلك لأشتت تفكيره وأبعده عن فكرة تفتيش الحافلة أو التدقيق في هويات الركاب.
​▪️ نظر إليّ الجنجويدي بجمود وسألني بلهجته الجافة: “يا عمك أنت ماشي مدني لشنو؟”، أجبته بتمثيلية متقنة بأنني ذاهب لأبنائي هناك، وأن أدويتي أضحت غير متوفرة في “منطقة الصفوة”، وبدأت أعدد له قائمة طويلة من الأسباب المصنوعة التي لا تنتهي، قاطعني الجنجويدي زاجراً: “خلاص يا عمك، أنت قايلني دكتور؟”، ثم أردف بسؤال مفاجئ هز كياني: “أنت شغال شنو؟”.
​■ ابتلعت ريقي وقلت له بصدق موارب: “صحفي سابق”، سأل المليشي بجهل مطبق: “يعني شنو صحفي؟”، وهنا تجلت عبقرية السائق السوداني البسيط في لحظات الخطر، حين أجابه بسرعة البرق: “يعني ببيع الصحف وبحوم بيها في السوق.. يعني سريح”.
​▪️ هز “المليشي” رأسه في استخفاف واضح بمهنة “السريح” التي رماها السائق في وجهه، ونظر إليّ بسخرية ممعنة وقال: “بالله يا عمك.. كبير كدا ولسه بتسرح بالجرايد؟”، بلعت غصتي ومنحته “ابتسامة صفراء” باهتة، محاولاً رسم ملامح المسكنة لإخفاء احتقاري لجهله وصمودي أمام عنجهيته الفارغة، وأنا أقول: “نعمل شنو يا جاهزية.. دا أكل عيشنا”.
​■ رغم مرارة الموقف وسخرية ذاك المليشي، إلا أنني كنت ممتناً للسائق بذاك الموقف البطولي العفوي؛ فقد كان كغريق وجد طوق نجاة، كانت تلك الإجابة “المنقذة” هي السبب الذي جعل الجنجويدي يلوح لنا بيده آمراً بالتحرك من تقاطع قندهار، خشية القصف الجوي الذي يتوقعونه في أية لحظة، لنبدأ رحلة البحث عن وطن ضائع في دروب التراب والدموع، تحركت الحافلة وأنا أرى ملامح قندهار تتلاشى خلف غبار الطريق.
​■ جاءت تلك اللحظة التي أشار فيها “الجنجويدي” بيده الغليظة نحونا آمراً بالانصراف، كأنها بعث جديد من بين الركام، ركضت نحو الحافلة “الكوستر” المتهالكة وصعدت درجاتها وكأنني أصعد إلى متن سفينة نوح.
​▪️ في تلك اللحظة، كانت الحافلة تئن وهي تتحرك مبتعدة عن “التقاطع اللعين”، مخلفة وراءها غباراً يغطي وجوه “الأوباش” الذين بقوا هناك يمارسون سيادة زائفة فوق أطلال مدينة كانت بالأمس القريب منارة للشرق، وتحركنا صوب المجهول الترابي.
​نواصل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى