مقالات

حين يسبق الأدب الواقع من عرس الزين إلى معضلة الشرّ الضروري

د. صلاح عمر الطيب: 

لعلّ الكُتّاب يمتلكون رؤية تتجاوز نظرة عامة الناس فهم لا يكتبون للحظة الراهنة فحسب بل ينفذون ببصيرتهم إلى المستقبل فتأتي توصيفاتهم لبعض القضايا وكأنها قراءة مبكرة لواقعٍ يُعاش بعد سنوات طويلة.
ومن ذلك ما سطّره عبقري الرواية العربية الطيب صالح في روايته عرس الزين حين وصف الإمام في القرية بأنه شرّ لا بدّ منه في نظر بعض أهلها توصيفٌ يعكس حالة إنسانية مركّبة تتداخل فيها الحاجة مع الرفض والقبول مع الضيق.
هذا المشهد الأدبي يقودنا إلى واقعنا اليوم حيث يفرض تعدد القوى المسلحة داخل الدولة حالة من التعقيد تجعل بعض الأطراف تتعامل مع هذا الوضع باعتباره أمرًا واقعًا لا خيار سوى التكيّف معه رغم ما صاحبه من تجاوزات خطيرة وانتهاكات مؤلمة خاصة ما ارتبط بممارسات قوات الدعم السريع قبل الحرب وأثناءها والتي تركت أثرًا بالغًا في المجتمع،
ومع ذلك فإن النظر إلى مثل هذه الظواهر بوصفها شرًا لا بدّ منه يظل طرحًا إشكاليًا إذ قد يعبّر عن عجزٍ مرحلي في مواجهة التعقيدات لكنه لا يصلح أن يكون رؤية دائمة لإدارة الدولة فالتاريخ يعلّمنا أن التسليم بالأخطاء وتبريرها تحت ضغط الواقع لا يؤدي إلا إلى ترسيخها بينما تتطلب المصلحة العامة السعي الجاد لمعالجة جذور الأزمات وبناء مؤسسات قوية قادرة على فرض القانون وحماية المجتمع.
ولعلّ التجارب العالمية تؤكد أن المجتمعات التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تفعل ذلك عبر التعايش مع الضرورة بل عبر تحويلها إلى مرحلة انتقالية تُمهّد لإصلاح شامل يُنهي أسباب الخلل ولا يكتفي بالتكيّف معها.
إن الفارق بين الأدب والواقع أن الأول يصف ويُلمّح بينما الثاني يفرض مسؤولية الفعل والتغيير ومن هنا فإن استلهام الأدب ينبغي أن يكون دافعًا للفهم الأعمق لا مبررًا للاستسلام للأمر الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى